Showing posts with label شىء من الواقع ، محاولات أدبية ، قصة قصيرة. Show all posts
Showing posts with label شىء من الواقع ، محاولات أدبية ، قصة قصيرة. Show all posts

Thursday, November 25, 2021

أشباح عم جمعة

 كنا – أطفال عمارة 5 بشارع ناصر بمنطقة الهرم – نتجمع لنلعب سوياً على بسطات السلم كل يوم. وكنا حين تضيق بنا العمارة أو يشتكي الجيران من علو صوتنا نجد ملاذ بسيط في حوش عم جمعة الواقع أمام العمارة والذي يسكنه الغفير العجوز مع زوجته وأولاده وبعض الأحفاد في عشة من غرفتين وحولهم الكثير من الحيوانات التي يقومون على تربيتها ويسلينا اللعب معها في بعض الأحيان.

كانت الأمور تبدو عادية وبالغة الرتابة إلى أن استيقظ أهل الشارع يوماً ما على صوت هائل لارتطام ضخم لحقه صراخ عالي لأفراد عائلة عم جمعة اثر حريق نشب في الحوش. انقلب الشارع كله يتابع خبر طائرة التدريب الهوائية التي سقطت وتحطمت على الطرف الشرقي لحوش عم جمعة محدثة حريق صغير تم السيطرة عليه بعد أن جاءت قوات الدفاع المدني ومعها الشرطة للتحقيق في الحادث.

كانت حورية ابنة عم جمعة تساعد معظم سيدات العمارة في قضاء أعمالهن المنزلية. وكانت أيضاً مصدر رئيسي لنقل الأخبار وتبادل معلومات الشارع. في اليوم التالي قالت لنا حورية كل التفاصيل التي عرفوها عن الطائرة وان الشرطة اعتبرت الامر قضاءً وقدراً حيث لم يثبت غير ذلك واعلمتنا أن الحوش أمس كان يعج بالبهوات والهوانم حيث اتضح أن المتدرب الشاب الذي سقطت به الطائرة هو ابن فنانة معروفة اشتهرت بغناء الأغاني الوطنية في السبعينيات. تباطأت الجهات المسؤلة عن رفع حطام الطائرة، فظل الهيكل يزين الحوش ويفخر به عم جمعة كإنجاز كبير فكان يستقبل الغفراء وحراس العمارات من حوله لتفقد الهيكل.

عم جمعة رجل ذو هيبة تفرضها  عليه سنوات عمره وجسده الطويل القوي دون امتلاء أو ترهل. يبدو كوتد خشبي مزروع في الأرض منذ سنين. وكان عم جمعة رغم طيبته مع أهل بيته له نفوذ وسيطرة على أقرانه في الشارع وكان يستغل هذا النفوذ لكسب المال. يحل المشاحنات ويتقاضى عن ذلك هدايا بسيطة تقديراً لحكمته في رأب الصدع، يضع قواعد وتعليمات لسير عمل الغفراء والحراس وسلوك عائلاتهم ويحدد غرامات لمن يخرج عنها، يساعد البسطاء منهم في قضاء حوائجهم ومصالحهم الحكومية ويتقاضى أجر بسيط في المقابل. لذلك كان من الطبيعي أن يستغل عم جمعة هيكل الطائرة المتواجد في الحوش فيحصل تذاكر لرؤيته متعللاً بمهابة الحدث وحرمة الموت وزاعماً أن الأموال ستخرج لله على رحمة الطيار الشهيد.

بعد عدة أيام كانت حورية تبدو ممتقعة الوجه وهي تردد حكايات عن أن جمعة يسمع كل ليلة صوت مدوي يحاكي صوت ارتطام الطائرة ثم يرى بعدها شبح الشاب قائد الطائرة يخرج من الهيكل المتحطم ويرحل في هدووء.

 

 انتشرت الحكاية على لسان الأمهات حتى وصلت لأحد الأطفال وحكاها لنا. خفنا في البداية ولكننا قررنا أن نستشير أحممد الشاب الطويل الذي يسكن الدور السابع ويدرس في الجامعة. كنا نحب أحمد لأنه حين يمر بنا ونحن نلعب يتوقف ليحادثنا كأننا كبار فكان أحمد هو الشاب الذي سنكبر لنكون مثله. ذهبنا له وكلنا خوف من حكاية حورية، انصت ثم تحدث بصوته الهادئ قائلاً: "كلام فارغ! مفيش عفاريت يا ولاد!".

قلنا له أن أم حسن صديقنا أفتت أن هذا قد يحدث اذا كانت دماء أحد القتلى علقت بالمكان ولم تنظف، تأتي الروح كل ليلة لتتفقد آثارها إلى أن تزال بقايها من المكان. ابتسم وقال:

"برضه كلام فارغ! سهل قوي ننزل بليل نتأكد إن مفيش عفريت، وعموماً لو عم جمعة شاف أي عفاريت فده انتقامهم منه عشان الفلوس اللي بيلمها على حسهم ويكنزها لنفسه".

وكان كلام أحمد بالنسبة لنا قرآن منزل، وأصبح التأكد من امر العفريت تكليف بالأمر المباشر.

اجتمعنا قبل المغرب كعادتنا كل يوم وبدأنا في وضع الخطة. حماسة رهيبة انتابتنا ونحن نتقمص شخصيات المغامرين أبطال الألغاز التي كنا نقرأها في ذلك الوقت. أحضر محمد أكبرنا مجموعة أوراق وأقلام ملونة والتففنا حوله في دائرة نقترح خطوات حل اللغز بعشوائية حتى اسكتنا هو بتلخيصه الخطوات في جمل واضحة: " هننزل بليل نستخبى في الحوش عند الطيارة ونراقب اللي هيحصل، التلاتة الكبار هما اللي هينزلوا أنا وتامر وهيثم، الباقيين فريق هيراقب مدخل الحوش والعمارة، وفريق هيداري علينا عشان نعرف ننزل من غير ما حد يحس"

انهينا الاجتماع وتحركنا إلى منازلنا ونحن نحمل سرنا الكبير. ساعة الصفر الحادية عشر ليلاً وكلمة السر التي لا نعلم متى سنحتاجها "الشبح".

لم تسر الخطة كما أردنا بالضبط. نام بعضنا قبل أن تدق الساعة الحادية عشر، وجبن البعض عن النتفيذ، كما عجز تامر وأخرين عن التسلل من منازلهم، لذلك انتهى الأمر بنزول محمد وهيثم للاختباء في الحوش جانب الطائرة ورامي للمراقبة عند المدخل. لأسباب غير مفهومة فكر الأولاد في تطبيق أفكار بسيطة للتنكر، فوضع محمد على رأسه بيريه يستخده والده ليداري به صلعته وربط هيثم على كتفيه ايشارب كبير خاص بأمه اقتداء بلباس أبطال السوبر هيروز.

كان الشارع هادئاً كونه شتاءً بارداً وليلة يتبعها يوم روتيني من الدراسة والعمل. تسلل الأولاد واخذوا أماكنهم في الحوش الذي نام كل أهله إلا من عم جمعة الذي جلس أمام العشة وقد أشعل ناراً للتدفئة من بعض الأخشاب اليابسة. التزم الأولاد أماكنهم وتحلوا بصبر عظيم في الهدووء والمراقبة. بقوا جانب هيكل الطائرة المحطم لمدة ساعة حتى بدأوا يتململون ويتحركون متسببين في تخبط جزء من الحطام الموجود وإحداث جلبة انتبه لها عم جمعة وتوجه لتنفقد الأمر.

كانت نار التدفئة المشتعلة تنير جزء من السور بجانب الحطام، وحين اقترب عم جمعة كان الأولاد يتحركون في محاولة لاتقان اختبائهم حتى لا يكتشف وجودهم وينتهي الأمر بتسليمهم إلى أهاليهم وعلقة ساخنة لكل منهم. قررمحمد أن خير وسيلة هي الهجوم، سيخرجان ليعترفا لعم جمعة أنهما أيضاً رأيا العفريت فيتعاطف معهما ويخلي سبيلهما في سلام. لم يفطن الطفلان أن مع اقتراب عم جمعة فهو قد بدأ يرى تراقص خيالهما على الحائط. ولكن لعم جمعة كانت الخيالات المتراقصة تبث رعب حقيقي في قلبه.

نطق عم جمعة في صعوبة شديدة فضحها اهتزاز صوته وهو يحملق في الخيال على  الحائط "مين ... أنت مين؟"

كان الطفلان في قمة خوفهما هما الأخرين، فرد محمد بصوت متحشرج "أنا محمد!"

جحظت عينا عم جمعة والهلع يأكل ملامحه كلها وسأل في تردد "الشهيد الطيار محمد!؟"

ارتبك الطفلان حيث لما يفهما جيداً تطور الأحداث على هذا النحو واعتقدا أن عم جمعة يرى شبحاً حقيقياً لا يرونوه هما!

تحرك الطفلان إلى الأمام ليخرجا إلى النور فبدا خيال هيثم بجسده الممتلئ والايشارب المربوط حول رقبته يطيره هواء الشتاء وراءه ككائن ضخم يكاد يبتلع ما أمامه متضمناً خيال محمد ببيريه الطيار ثم عم جمعه نفسه. وبرؤية هذا الخيال غير المفهوم شهق عم جمعة وانتفض جسمه لأعلى ثم طب على وجهه ساكتاً.

جرى الولدان في ذعر قاطعين الحوش عرضاً إلى الخارج. أخذا رامي في طريقهما وهو يردد في عدم فهم "ايه اللي حصل ؟ ايه اللي حصل؟"  فيسكته محمد وهم يركضون إلى داخل العمارة "احنا موتنا عم جمعة!". بينما رامي لا يفهم ما حدث وهيثم يبكي رعباً مما فعلاه، أقترح محمد أن يبقى الأمر سراً بينهم إلى الغد.

عدنا من المدرسة ذلك اليوم وبدت الأمور طبيعية في العمارة وما حولها، كنا قد عرفنا – باقي الأولاد – ما حدث ولكننا احتفظنا بالسر. حين دخلنا إلى منازلنا عرفنا كل من أمه أن عم جمعة في العناية المركزة اثر أزمة قلبية أصابته أمس ليلاً.

كان القلق وتأنيب الضمير يكاد يقتلنا، في تجمعنا اليومي على بسطة السلم ساعة المغرب كنا نقلب الأمر على وجوهه المختلفة محاولة لفهم ما حدث وعجزنا أن نعرف، فاتفقنا أن يبقى الأمر سرنا الدفين إلى الأبد خوفاً من العقاب بعد أن أخبرنا رامي أننا قد ندخل كلنا سجن الأحداث لهذه الجريمة.

جائتنا الأخبار بعد عدة أيام أن عم جمعة لم يمت وعاد إلى غرفته في الحوش محمولاً عاجزاً عن الحركة والنطق. عدم موته خفف قليلاً من شعورنا بالذنب ولكن الخوف بقا. بعد ذلك عادت حورية لتمارس الأعمال المنزلية في شقق العمارة وكانت تبدو ممتقعة وواجمة أكثر مما قبل وحين سألتها أحد الأمهات عما بها، قالت يصوت متردد: "بليل قمت أبص على أبويا الراقد يكون عايز حاجة، شفت العفريت ماشي في الحوش .. من ساعتها كل ليلة بشوفه"

سمعها رامي. أخبرنا بذلك أول ما التقينا على بسطة السلم. أكلنا الخوف والحيرة وكانت هذه أخر علاقتنا بالحوش.

Monday, November 17, 2014

الحتة اللبناني

كان يكفي أن يقول لي في نهاية مكالمة ال Skype   "ميرسي لـ َ إلك" حتى أذوب وأتـفتفت وترتسم حولي قلوب وزهور وفراشات. كنت أثناء مراهقتي أجزم أني سأتزوج "واحد" لبناني حيث أني نشأت في إحدى دول الخليج التي تتلاقي فيها الجاليات العربية المختلفة بعيداً عن هم أو فقر بلادهم المنكوبة. تركنا البلد بعد ذلك وجئنا إلى مصر ولم أعد أقابل حولي لبنانيون ولكن ظل في قلبي – حتة كده – للبنان.

أحب الــلهجة وأقلدها، أحفظ أسماء المناطق والفسح التي عرفتها من الأفلام المصرية القديمة التي صورت هناك، أتتبع قصص الحرب والفقد والرصاص التي قرأتها في روايات ربيع جابر وجبور دويهي التي ترشحها لي مواقع الانترنت، أؤمن بالمقولات العجيبة التي يتداولها الناس عن اللبنانين وحلاوتهم وشطارتهم في التجارة والفن والجمال فيقول أبي "اللبناني يلبس حلو ويـتفسح حلو ومش مهم بيته شكله ايه" أو تقول أمي "من كتر ما شافوا في الحرب مبقاش يهمهم، الضرب جمبهم وهما سهرانين وبيرقصوا"، كل ذلك بعد أعوام كثيرة من جملة مبهمة رماها لنا طفل في المدرسة في منتصف الثمانينات قائلاً مقلداً أحد والديه "لبنان اتحرقت"! وكل ذلك قبل أعوام كثيرة من متابعة أيقونات الدلع والجمال عبر قنوات المستقبل والـ LBC مع ظهور أطباق الدِش على أسطح البيوت المصرية في أوائل التسعينات.

لذلك حين جاءت لتعمل معنا منال اللبنانية اقتربنا كثيراً كصديقتين، فضلاً عن كونها لطيفة وحبوبة ودمها خفيف كان يكفي أنها لبنانية. منال شكلها مصري تماماً، جميلة جمال غير لبناني: بشرة سمراء وعيوان سوداء وملامح هادئة وترتدي حجاب. جاءت في أول يوم عمل مبكرة وجلست في المكتب المخصص لها وأخذت تتحدث في هاتــفها بلهجتها اللبنانية المميزة وصوتها العالي، كلما هل زميل في الصباح جاء مسرعاً يستكشف الزميلة اللبنانية متتبعاً الصوت فيتوقف قليلاً عند الوجه الوحيد الجديد بحيرة ثم يسأل باقي البنات "هي فين"!
وحين تصبح منال صديقتنا بعد ذلك تضحكنا وتقول أنها لبنانية مضروبة وتقول لنا أن مصر مناسبة جداً للبيزنس لذلك جاءت هي وزوجها اللبناني جاد.

حين تحدثت مع عياد على سكايب كنت حرفياً أُحلِق! لم اتعرف على عياد على الانترنت كسبيل للدرشة وقتل الوقت أنما كانت – والله - مكالمة عمل. كنت أقوم بخدمة تطوعية لإحدى المؤسسات التنموية بجانب عملي الأساسي وتطلب ذلك السفر لحضور اجتماع مغطى النفقات في لبنان وكان عياد يقوم بالترتيب اللوجيستي للإجتماع.     

جلست معي منال قبل السفر تشرح لي ماذا أفعل في لبنان وقالت لي أين أذهب وكيف أحاسب سيارة الأجرة وأن ازور جعيتا وحريسة وبين كل جملة وجملة تقول منال لي "انتبهي ..ها!" وتأكد علي أن أمر على أمها في منزلهم بالسوديكو.

في لبنان انشغلنا بالاجتماع وانشغلت بعياد. كان عياد رائعاً وغامضاً وضائعاً كأنه خارجاً لتوه من رواية لربيع جابر، وقد نسيت منال أن تقول لي أن انتبه لذلك.

تزامن الاجتماع مع حفل فيروز الذي تقيمه بعد أعوام من الغياب، بالإضافة أننا نعرف جميعاً أن فيروز لا تقيم حفلات في مصر. أبديت جزعي حين وصلت لبيروت أني ليس فقط لن أحضر احتفالات الكريسماس هنا بل لن أحضر حفل فيروز لاستحالة الحصول على التذاكر قبل الحفل بأيام. ولكن عياد دائماً عنده حل، أحضر لي التذكرة لا أعلم كيف ولا أعلم لماذا، ذهبنا إلى الحفل مع جمع كبير من أصدقاء عياد وحاضري الاجتماع وأخرين وكانت جلساتنا متباعدة بسبب شراء التذاكر في توقيتات مختلفة وزحام الدخول. حضرنا الحفل جالسين على كراسي بلاستك  كتلك التي توضع في حدائق النوادي تبعاً لسعر تذاكرنا المنخفض ولم يكن حولي أحد أعرفه! كنت أتلفت حولي لأبحث عن عياد وقالت لي السيدة اللبنانية الأنيقة بجانبي "عجقة .. ما فيكي تلاقي حدا هون" استسلمت وأخذت استمع للأغاني دون أن يمسك يدي أحد جانبي ليخفف من وطأة سماع أغنية "في أمل"!

رجعنا بعد الحفل لنكمل السهرة على قهوة في شارع الحمراء احتراماً لهؤلاء الذين لا يريدون الذهاب إلى الجميزة. بسبب الحفل كانت بيروت تعج بالمصريين، كنا كأننا نقلنا وسط البلد إلى الحمراء وبدا الامر موتراً وأنا أقابل شخص مصري أعرفه كل بضعة كيلومترات. على المقهى كانت طاولة طويلة تضم عدداً غفيراً، وأنا خائبة وضائعة جداً في التجمعات الكبيرة، يحكي الجالسون عن أشياء تختلف
كثيراً عني فانبهر وأبدو أكثر خيبة. يلاحظ عياد هذا ورغم قلة كلامه هو الآخر إلا أنه يحاول إلتقاطي بين لحظة وأخرى وقال بلهجة مصرية خــَرِبة "هتعملي ايه بكرة" وأخبرته اني سأزور جعيتا كما أكدت عليّ منال. فيصرخ "جعيتا!! جروتو دي اوفر ريتد، سيبيلي أنا مهمة اليوم اللي فاضل!"
ثم يحاول عابثاً أن يشرح لي الفرق بين نطق المصريين لاسم منال بألف مكسورة ونطق اللبنانيون للاسم منال بألف مفخمة ويضحك حين لا استطيع رصد الفرق إلا بحركة ذراعي أمام فمي مع نطق الألف دلالة التفخيم!
شيئاً ما جعل عياد يهتم بي تلك الليلة، قال شئ مثل أني اشبه ممثلة لا يعرف اسمها كانت تظهر في أدوار ثانوية في الأفلام المصرية القديمة، لم أفهم ان كان هذا يعني شيئاً جيداً أم لا ولكني لم أمانع هذا الاهتمام. قمنا وعرض أن يوصلني إلى الفندق حيث أقيم واقنعت نفسي أن هذا من صميم عمله في إتمام شئون حاضري الإجتماع. قلت له أني لم أسافر كثيراً قبل ذلك ولكن تعجبني فكرة الضياع في المدن وأني أحب أنا أرى بيروت .. مشينا كثيراً لم نكن ترى شيئاً معيناً كان يدخلني بين مربعات سكنية حديثة البناء ويشير لبناية محددة قديمة بها حفر دائرية ويقول أنهم تركوها بآثار الرصاص من أيام الحرب.   

مر عياد علىّ في اليوم التالي في الثامنة صباحاً في سيارة استأجرها واخدني لبيت الدين وقال لي أن أشرب من مياه الينابيع المتدفقة من المسقى أمام باب الدخول وقال "شربتي منها هترجعي تاني، زي النيل في مصر كده"، ثم تحركنا مرة أخرى واخذنا نصعد وهو يتجاهل خوفي من قيادته المريعة حتى وصلنا لغابة أرز الشوف وكنت أشعر أن عياد طويلاً جداً مثل كل الشجرات التي حولنا وان المشي جانبه يتطلب النظر كثيراً لأعلى وهذا صعب لأني احب النظر إلى خطواتي وأنا امشي. جلسنا هناك أربع ساعات، كان عياد يثرثر عن أشياء تضايقه وعن مشروعه للسفر إلى كندا ويقول أشياء عن الوضع الراهن ويكرر أسماء السياسين والأحزاب والتيارات وأنا أعلق بأشياء غالباً لا ترضيه فيقول اني لا أفهم وأنا فعلاً لا أفهم. كنت أفكر وقتها ترى على أي تيار يحسب عياد، وتذكرت أن لو كانت منال هنا، كانت ببساطة قالت لي "قوليلي هو من بيت مين وأنا بـِقلك".

سافرت في اليوم التالي ولم يوصلني عياد للمطار، فقط أرسل لي على الفندق حلوى قمر الدين في قطع صغيرة ملفوفة بسلوفان وكتب على كل منها رسالة كرسائل حظك اليوم وعلى العلبة كتب "الرسايل كلها مكتوبة بالمصري، تفتح في مصر". وصلت مصر قرأت الرسائل كلها وضحكت ثم بكيت ونسيت الأمر كله بعد ذلك.    

بعد شهرين حادثني عياد على Skype باللهجة المصرية الخربة التي يصر أن يتحدثها "ندى!؟ أنا مسافر كندا خلاص ؟ أوكيه؟؟" اربكتني صيغة الاستفهام في اخر جملته،  فكرت قليلاً ثم أجبته إجابة لم ترضيه فقال مرة أخرى أني لا أفهم!


أهاتف منال وأقول لها أن عياد جميلاً وغامضاً ورائعاً ولكنه لبناني زيادة عن اللزوم.