Sunday, May 04, 2008

ربنا يديم المحبة

هي، أقابلها كل يوم. في الصباح نشرب القهوة، أحكي لها عن أخبار اليوم الفائت وتحكي لي. في الظهيرة نتغذى سوياُ ونتحدث عن الحمية الغذائية التي سنتبعها في يوم من الأيام، نضحك كثيراً، نضع خطط المساء، وخطط لنهاية الأسبوع، لا ننفذ أي من الخطط ,ونعود في الصباح لنحكي أخبار اليوم الفائت.ذ

ثم تتغير الأحوال ... لا نعود نتقابل في الصباحات، ننشغل بأشياء أخرى. ذ

هو، أقابله أحياناً في الأحداث الثقافية. لأننا أصدقاء ولكننا لا نرى بعضنا البعض كثيراً، أصبحنا نتقابل على برامج الدردشة في الإنترنت، أحدثه كثيراً... من آن لأخر نستشير بعضنا البعض في أمور مهمة أو غير مهمة، نتبادل الأغاني والأفلام ورابط الأخبار المثيرة.ذ

ثم يسافر فجأة .. يقرر أن السفر أجدى.ذ

أفكر فيهما – المذكوران بالأعلى – وغيرهما. في الأيام الأخيرة أخذت تشغلني كثيراً أوضاع الناس في حياتي، فكثيراً ما أجدني أفكر في الذين ذهبوا والذين راحوا والذين تبدلوا وجاء غيرهم. المذكوران بالأعلى كانا هناك غيرهم، قبلهم. والذين قبلهم كان هناك قبلهم، دائماً تتغير الظروف ويحل أناس في مواضع ناس ويأخدون أماكنهم.ذ

رغم أني لم أعد أستشعر الصباحات كما كانت حيث أني الأن أتبادل أخبار الصباح مع أخرين، وأشرب القهوة مع أخرين، كما أني استشير شخص أخر في الأمور المهمة و غير المهمة .. إلا إنها مازالت صباحات ومازالت قهوة ومازالت استشارات. فكما يحل الناس في أماكن ناس، كما تستحدث مذاقات جديدة للحياة تطغى على مذاقات سابقة. ذ

نفس المساء الذي سافر فيه الصديق، كنت أمر وحيدة بين رفوف الخشب في مكتبة الكتب الشهيرة لا أبحث عن شيء معين. منذ حوال عشرة أعوام كنت أمر مع صديقة أيام الجامعة بين رفوف من الألومنيوم القبيح في معرض كتب الأطفال الذي يقام في نوفمبر من كل عام، نستمتع بتلاكيك التسرب من الجامعة في صباح شتوي لنبحث عن قصص أطفال مكتوبة باللغة الإيطالية نتحايل بها كوسيلة لتعلم اللغة. ألتقط كتاب من على أحد الرفوف على غلافه رسومات كرتونية لمجموعة أشخاص وعنوانه "الأصدقاء"، على ظهر الكتاب نبذة عن قصة تحكي عن مجموعة أصدقاء كانوا معاً في المدرسة فرقتهم السنين ثم عادوا ليتلقوا بعد زمن. أشير علىها بالكتاب مؤكدة أن كم هي فكرته ظريفة، لكنها لا تأخذه وتعلق متهكمة أني أحب كل ما يتحدث عن إعادة اللقاء كما أني مهوسة بأفكار استعادة الماضي. ذ

في عقلي أتمتم لأن هناك حنين .... حنين للزمن الذي مضى، حنين للأشخاص، حنين لمشاعر تحركها فترة ما، ولأننا ندرك بعد فترة أن اللحظات الفائتة لا تعود. ذ

بالمناسبة أنا لم أحدثها منذ عدة شهور ... ذ

أبحث بين محطات الراديو عن مزاج معين، عن أغاني أجنبية كنت أسمعها في ذلك حين، أيام الجامعة ... على الإذاعة الأوروبية التي لم نكن نسمع غيرها في ذلك الوقت كنا نرسل لبعضنا البعض الاهداءات، لم نملك وقتها تليفونات محمولة ولم يكن الانترنت سلعة رائجة ودائماً ما كان يتعذر بيننا الاتصال أيام الأجازات
ذ sealed with a kiss كل عام كنا نودع بعضنا البعض بأغنية
وتتلبسنا قصة الصديق الذي يترك صديقته بانتهاء الدراسة مع بداية الصيف واعداً أن يرسل لها كل يوم محبته في رسالة مختومة بقبلة. ذ

اللحظات الفائتة لا تعود، مثل احساس أول قبلة الذي لا يعود .. هذا بالأخص لا يمكن استعادته. هذا بالأخص مذاقه يزول مع اكتشافات أكثر وعورة ويظل له ذكرى لذة الاكتشاف الذي تبخر.ذ

منذ شهر اجتمعنا في منزل صديق نبارك له على مولود جديد، طفله أصلاُ تخطى العام ولكن الانشغالات لم تسمح بأسرع من ذلك. جلسنا يومها نتحدث ونثرثر ولكنى أفتقدت شيئاً ما، لم أفسره، فقط ظل يكبر مع إطالة الجلسة حتى تحول إلى إحساس محزن من الخواء. ربما هو الشعور بأننا تغيرنا، ربما هو الرعب من حقيقة أننا نتغير، ربما لأن ثرثرتنا لم تعد محلقة كما كانت. أردت بشدة أن أحملنا كلنا من أماكننا الحالية وأودعنا في مشهد سابق. في صورة معلقة بذهني طالما ظلت تؤرقني استعادتها، فلربما يتجدد معها الشعور المفقود. ذ

ليس كل ما مضى جميل، فكل عام مضى حمل شيئاً من الذكريات البغيضة والقرارات السلبية، هذه خلافات التي تحولت إلى لعنات والمناوشات التي انهتها المقاطعات. وبعد حين تصغر الخلافات وتنعدم فلا نذكرها ولكن يبقى الفراق. ذ

لأن الناس مثل السنين، كلما بعدت كلما غامت التفاصيل فلا نرى بعدها إلا الصورة الكبرى للأحداث. نفس السبب الذي يجعلنا ونحن في الجامعة نكرهها مؤكدين أن المدرسة كانت أجمل سنين العمر، ثم نتخرج فنعجبنا سنوات الجامعة بعد أن كنا نلعن أبوها. كذلك في رحلات السفر، وقتهاأفكر في المال الذي صرفته، وفي أقدامي التي هدها التعب، في صداع أصابني، في خلافات مع مجموعة متنافرة لنقرب رغباتانتا في قضاء الوقت، وبعد أن يمر الزمن أقسم أنها كانت أسعد اللحظات. كما في المناسبات، كما حفلات الزفاف، وقتها يشغلني شعري الذي يبدو غير متساوي، أو فستاني الذي يبدو ضيقاً، أو قريبتي التي كلمتني بطريقة غير لائقة، والأغاني السخيفة التي سمعناها، وبعد أن ننتهي لا أتذكر إلا الحلم الذي تحقق ولا يعلق بقلبي إلا الفرحة صادقة. ذ


أمضي قدماً ... لا يهم تصنيفات الناس في حياتي، لا يهم ماذا كانوا وكيف صاروا .. الأهم أني أنسى ولا أعود أتذكر … المهم ألا تطاردني الصور المعلقة بذهني والتي أبداً لا تعود. المهم أن بيننا بواقي محبة… ذ

على محطة إذاعة الأغاني يصدح عبد المطلب بصوته الجهور "يا أهل المحبة ادوني حبة" وأنا في سري أتمتم بس الأهم إن ربنا يديم المحبة ...ذ

Wednesday, April 23, 2008

كأنـــك تمـــوت

أن تفقد المعنى .. أن تستيقظ صباحاً فترى يومك كشارع طويل يضيق آخره فلا تعلم له نهاية.أن تتسرب منك الساعات ثم تدرك أن ما مر لم يكن إلا دقائق قليلة. أن يكون لتكة عقارب ساعتك صوتاً عالياً يطاردك في رتابة كقطرات المياه المتتابعة من صنبور خرب. أن تخاف من يومك البادي كأفعى طويلة تفتح فمها فتبتلعك ويتمدد جسدها فيتسع لكامل جسمك ثم تتقلص الأفعى فتعصرك بين افرازات كثيرة لزجة ومقززة. أن يصبح يومك نفسه مقززاً واستيقاظك فعلاً متعباً، أن يكون النَـفَس هماً وطرفة العين حملاً. ذ

أن تفقد الهدف .. أن ترى حياتك كجب عميق آخره أسود غطيس، و يصبح نزول الجب مغرياً فربما تتوه في نهايته وتنتهي. أن لا ترى لوجودك نفعاً أو لاستمرارك جدوى ... أن لا تبصر نوراً أو تستشعر أملاً .. أن يصاب كل ما حولك بالسخف .. أن تستسيغ الصمت والوحدة وتستحلى الألم ... أن ترفض كل ما يحيطك و تشك في بديهياتك وتتجاهل الشخوص من حولك .. فكأنها مجرد أشباح تهذي

أن تعيش كأنك تموت
...ذ

Monday, March 17, 2008

خارج الشبابيك الزجاجية

على الطريقة الأمريكاني رصت مكاتبنا مكعبات متجاورة، فكرة مبتكرة لاتاحة مساحات إضافية في الغرف الضيقة التي لا تتسع للمئات من موظفي الشركات. وجوهنا تطالع حيطان الفواصل المقامة بين مكاتبنا لتفرقها عن بعضها البعض، ظهورنا للممرات، ويحيطنا من الجوانب فواصل أخرى لمنع أي اتصال جانبي ممكن. مساحتك الشخصية الوحيدة المتاحة أثناء يوم العمل أصبحت مفضوحة بوقاحة لكل مار خلفك، وحين لا تسشعر وجوده يطالع هو شاشة الكمبيوتر ومتعلقاتك الشخصية وأي شيء آخر تفعله. ذ

جالسة في قفصي الضيق مكعب الشكل، المصنوع من أخشاب حديثة مضغوطة وأنواع من البلاستيك المصنفر، تضيق الدنيا في عيني وأنا محبوسة في مساحتى المتاحة...متر في متر ونصف...أدفع الأرض بقدمي في قوة فيندفع كرسي المكتب ذو العجلات إلى الوراء. أهب واقفة لأردع أحاسيس ضيق التنفس التي تنتابني...ذ
أتنفس بعمق...ذ
شهيق طويل...زفير...ذ
شهيق طويل...زفير...ذ
مازال النَـفَس غير مشبـِـع والهواء مستعص!ذ

أقوم إلى الملاذ الوحيد...الشباك الواسع على جانب المساحة التي رصت فيها مكعبات تسعة من الموظفين. عملي في بناية إدارية كبيرة تقع في منطقة خالية من العمارات السكنية، فهو واقع على طريق سريع خال نسبياُ من المارة إلا العاملين بشركتنا وبعض المصالح القليلة المتناثرة حولها.ذ

من دور علوي أطل من وراء الشباك الزجاجي وأرى العالم كأنه ماكيت لتخطيط مدني جديد، شوارع منمقة ذات خطوط بيضاء متساوية، عدد من أعمدة النور مصفوف على الجانبين وتتوالى معها أشجار رفيعة عالية خضارها شاحب. على يمين الشباك، شارع سريع تجري فيه السيارات الملونة بسرعة جنونية. يلتقي الشارع مع أخر تعامد عليه تندفع منه السيارات أيضاً، تدخل الواحدة تلو الأخرى إلى السرب المتسارع فتتمازج الألوان. عند ملتقى الشارعين عجوز يحاول عبور الشارع بين السيارات، يتقدم نازلاً عن الرصيف فيباغته مد السيارات، يتراجع. ثم يبدو له انحسار السيارات مشجعاً، يعاود الكره فيحاصره المد مرة أخرى، يرجع مسرعاً.ذ

أرى أيضاً نصف مبنى به عمال قائمين على تشييده، يبدون في موقعهم كجزء من لعبة مكعبات للأطفال تصور لهم عالم البناء والأدوات والسقالات وما إلى ذلك.ذ

في الأفق البعيد أرى جزء من منزل الكوبري الطويل الذي يربط أجزاء القاهرة، تختفي نهاية المنزل وراء عمارة بعيدة وأشجار كثيفة حولها. يخيل لي أن السيارات تجري مسرعة على الكوبري ثم إلى المنزل فلا تصل إلى نهاية واضحة، بل هي تختفي في العدم! يعجبني أنني استطعت تعيين بقعة للعدم...فأبتسم!ذ


أفتح زجاج الشباك وأخرج منه...أقـف على الإفريز...أغمض عيناي وأفرد ذراعاي عن أخرهما...أتنفس بعمق فيشبعني الهواء في الخارج...يدخلني الأكسجين هادراً فتتدفق الحياة في شرايني وأوردتي فأتلون بألوان الحياة كلها...يزداد الهواء داخلي أكثر مما يحتمله سجن الجسد الضيق...فأتقدم لأطلق نفسي من فوق السور أندفع قافزة إلى الكون فأتفتت وينثرني الهواء جزيئات تسبح في الفضاء الرحب.ذ

Wednesday, February 27, 2008

ألِـيس في المنطقة الصناعية


تصل إلى عملها الجديد صباحاً وهي تتقافز من أثر شحنة النشاط والأمل التي تنبعث تلقائيا من حقائق بديهية مثل البدايات الجديدة والتحديات الصعبة والصباحات المنيرة وإلى آخر ذلك من العوامل الوردية... ذ
تجلس بعد بضعة أيام في المصنع تلبية لنداء إجتماع يجب عليها متابعته باعتبارها مديرة هذه العلامة التجارية في قسم التسويق والذي تسلم العلوم الحديثة بضرورة كونه - القسم - المحرك الأساسي لمستقبل الشركات وبالتالي المنتجات والأهم من ذلك العلامات التجارية.ذ
يجلس حفنة من المهندسين الأفاضل المؤمنين تماماً بعدم تلقي غيرهم لتعليم جامعي، فكل من دونهم ببساطة "مكملش تعليمه" وخاصة واحدة مثلها أختارت دراسة جامعية أدبية ألحقتها فيما بعد بدبلومة في إدارة الأعمال على سبيل المعالجة التي لم تشفع لها كثيراً عند الباشمهندسين. ذ
بحماس يندفع أحدهم موجهاً الكلام لها ولجاهل أخر من قسم التسويق "يا أساتذة ... الفتاحة يعني هاتاخد كهرباء منين ؟؟!! يعني يا إما الشكل هيفضل كده عشان الترمومتر الديجيتال اللي يبقيس قوة الفتح يسحب كهرياء من البطارية الي وراه، يا إما نعمل عمود في ظهر الجهاز يسحب الكهرباء من تحت لمكان الترمومتر "ذ
في ذهول تهز رأسها موافقة .. وتفكر "العيال دي ضاربه بانجو باين" *ذ
بعد عدة أسابيع، يجتمعون كلهم عند أحد المديرين، أخذ يشرح لهم – أفراد القسم - التبعات الاقتصادية التي لحقت بشركتهم من أثر ارتفاع أسعار الحديد في العالم كله "لما أسعار الحديد ارتفعت، سعر الصــاج المستخدم في صناعتنا بالتالي ارتفع .. وعليه المنتجات كلها هيزيد سعرها وتوصل في أخر السنة إلى 15% زيادة ..."ذ
يهمهم بعضهم ويستفسر آخرون عن تفاصيل
يوضح "لما المورد الرئيسي للحديد اللي في ألاسكا غرق، والتاني اللي في الصين عنده عجز في الإمداد ... حصلت المشكلة .. ولأن حركة البناء مزدهرة حالياً الطلب زاد أكتر وبالتالي أثر ده علينا في مصر وعلى كل المنافسين"ذ
تفكر "دي نظرية تأثير الفراشة** .. تأثير الفراشة ... قريتها قبل كده ... الفراشة رفرفت بجناحنها هناك
في ألاسكا، قام المورد غرق، بعدين أسعار الحديد ارتفعت، ووراها أسعار الصاج ، وكده فتاحات المعلبات اللي احنا بننتجها هتغلى" ذ
بدا لها الأمر غير منطقي فتسرح وراءه .. "هو في فراشات كفاية في ألاسكا عشان فتاحات المعلبات في مصر تغلى؟"ذ
يكمل المدير "عايزنكم تفكروا في أكثر من سيناريو لتطبيق ارتفاع الأسعار، خلوا بالكم لازم تستعملوا نظريات مصفوفات التسعير مفيش تسعير من غير تطبيق المصفوفة"ذ
تعقد حاجبيها في محاولة للتركيز... "يعني تفرق إيه لوللو من أبوللو .. ماهو ده اللي بيعقد العيال"*** ذ
ولأن ملحوظتها العقلية جاءت هذه المرة عالية نوعاً ما، فخضعت تلقائياً لنظرية تأثير الفراشة. فما كان من ملحوظتها إلا أن سمعها أحد الزملاء فانفجر ضاحكاً وتبعه الأخرون .. وعليه استحال وجه المدير إلى الأحمر القاني وتبع ذلك صراخ متتالي لا متناهي ومعه مصفوفة من التوبيخ
ولمدة أيام، ظل وجه المدير يطالعها يومياً في جهامة وبرودة لوح من الصاج كالذي ارتفع سعره مؤخراً !!ذ
ذ ________________________________
ذ* جملة على لسان عادل أمام من فيلم السفارة في العمارة موجهة إلى أحد أفراد الأسرة اليسارية يصف له موقفاً ما بالديـماجوجية

ذ** نظرية تأثير الفراشة: ظاهرة تقول بأن الحركة البسيطة لجناح فراشة يمكنها أن تحدث تغيراً في الجو وتؤدي في النهاية إلى حدوث إعصار (أو منع حدوثه) في مكان أخر. ويطلق المسمى قياساً على الأمور الصغيرة التي قد تحدث تأثيرات كبيرة على أشياء أخرى

ذ*** جملة على لسان علاء ولي الدين من فيلم الناظر يعلق فيها على تعقيد التعليم بالنسبة للأطفال تدقيقاُ على اسم مدرسة أبوللو الأدبية

Sunday, February 17, 2008

السدود بين البشر


وحين خرجت من عملي ذلك اليوم وجدت أن أمامي بعضاً من الوقت المتاح قبل موعد ما وجب على ادراكه. أغير مساري اليومي إلى شارع اخر حيث أمر لأشتري بعض الأغراض غير الضرورية فأملأ الوقت القليل الفارغ.ذ
أمر في الشارع الرئيسي فألمح صديق قديم يحاول العبور أثناء مروري، أخذت بعض الوقت لأتعرف عليه مزيلة آثار خمس سنوات مضت منذ آخر مرة رأيته .. وهو أثناء عبوره لم يلحظني.ذ

ارتفعت بشدة الرغبة في ارتكاب التصرفات غير المبررة، فأغير مساري - مرة أخرى - في محاولة لمتابعته بعد أن فشلت المحاولات الأولى لبوق سيارتي في جذب إنتباهه. ألف بسيارتي في الملف التالي عائدة إلى الناحية الآخرى من الشارع حيث اتجه هو. أمر أمامه وهو يدلف لسيارته واستخدم بوق السيارة مرة آخرى ولكنه أيضاً لا ينتبه، يلح الطريق من خلفي فلا يمهلني أكثر من لحظات أضطر بعدها إلى متابعة تحركي بالسيارة إلى الأمام.ذ
الملف التالي بعيدٌ نوعاً ما ولكني أصر على الملاحقة.ذ
أسرع بسيارتي، وألف إلى الناحية الأولي. انظر يساري فأجد سيارته مازالت قابعة في الناحية المقابلة. أتابع إلى الملف مرة آخرى وأمر أمامه في محاولات مستميتة باستخدام الأصوات والأضواء المتاحة في سيارتي. أرفع يدي ملوحة يميناُ ويساراً ولكنه أيضاً لا ينتبه، فأضطر في النهاية إلى الرحيل خجلاً من نظرات الركاب و السائرين حولي.ذ

مرة أخيرة أسرع إلى الملف الأول ثم الملف الثاني وأصل إلى البقعة المرصودة وأجد أن سيارته اختفت مخلفة مكانها فراغ كبير غير مفهوم من خيبة الأمل ...ذ

أكمل بعد ذلك طريقي إلى غايتي الأولي غير مكـترثة كثيراً لتصرفي السابق .. ولكني وأنا أشتري أغراضي أتذكر أنني حين قابلت ذلك الصديق آخر مرة منذ خمس سنوات فإنه أخبرني عن عمله في شركة متعددة الجنسيات والتي مقرها في الشارع الرئيسي الذي مررت به منذ دقائق. ربما إن غيرت مساري في الأيام التالية متصيدة موعد الخامسة والنصف قد ألمحه مرة آخري نازلاً من المقر، عابراً الشارع إلى الناحية الآخرى، دالفاً إلى سيارته، وقد يتسني لي وقتها محادثته

مرت بضعة أيام، لم أغير فيها مساري اليومي ...ذ

وحين نزلت متعجلة ذلك اليوم من منزلي الكائن في مدينة سكنية جديدة لها أسوار تحددها، كان الميعاد غير معتاد حيث أن اليوم عطلة رسمية. أحمل معي كيس به ملابس علىّ إرسالها للكواء، فأمر في طريقي على محل التنظيف الجاف الذي نتعامل معه والكائن بالسوق التجاري المقام في المدينة.
أركن سيارتي وأنزل متجهه إلى المحل الصغير. وأثناء تحركي السريع نحو الرصيف المؤدي للمحل الصغير، ألمح صديق قديم لم أقابله منذ خمس سنوات وإن كنت رأيته صدفة منذ بضعة أيام يحاول عبور الطريق الرئيسي. كان الصديق واقفاً مغلقاً باب المحل الصغير بجسمه الضخم وهو ينهي أمراً مع العاملين بالداخل.ذ


للصدف وحدها كلام يعلو فوق كلامنا ...ذ

حين أصل إلى باب المحل ملقية السلام بصوت عالى، يفسح الصديق جسمه الضخم عن باب المحل .. وقتها يلحظني ويتعرفني دون عناء أضواء وأبواق السيارات.ذ

نتحدث سريعاً عن أني أسكن هنا وهو يسكن هنا، وعن زوجي وعن زوجته، وعن طفلته، وعن أن ليس لدي أطفال بعد ... نقول هذا وثلاثة من عمال محل الكواء يطالعوننا من خلف طاولة العمل وهم يبتسمون ابتسامات واسعة مفادها قصص يرسمها خيالهم.ذ

نتحرك إلى حيث تقف سياراتنا، أتلكأ قليلاً لأعطيه بعض الوقت، يلتفت بعد لحظة ليخبرني أن زوجته لن تستطيع التحرك من السيارة لأن الطفلة نائمة. أخبره على مضض أنني سأتي لأتعرف عليها.ذ

يجري التعارف سريعاً بيننا. هي تبدو غير مرحبة في حين بدا هو متوتراً.ذ

أبتعد راحلة وأنا أرفع صوتي مطمئنة بأن للأسف زوجي ليس معي الآن لأعرفهم عليه.ذ

يسألني بصوت منخفض وأنا أبتعد عن رقم هاتفي المحمول وأخبره أن الرقم لم يتغير، يؤكد بعدها أنه سيحادثني قريباً لنتبادل الأرقام والحديث.ذ

أحييه راحلة ولا أخبره أني رأيته منذ ثلاثة أيام في الطريق الرئيسي عند مقر عمله ... ذ

أكمل بعد ذلك طريقي إلى غايتي الأولي غير مكـترثة كثيراً لتصرفي السابق .. ولكني وأنا أقود سيارتي أتذكر أنني حين قابلت ذلك الصديق آخر مرة منذ خمس سنوات فإنه أخبرني عن حجز شقة في مشروع سكني جديد. ربما إن غيرت مساري في الأيام التالية متصيدة المواعيد الغريبة للأجازات الرسمية قد ألمحه مرة آخري أمام محل التنظيف الجاف، مغلقاً الباب بجسمه الضخم، منهيناً أمراً مع العاملين بالداخل، وقد يتسني لي وقتها محادثته.ذ

تمر أيام، ولا أغير مساري اليومي ... ذ

Tuesday, January 29, 2008

أنا بين أمي وجدتي

تقول أمي أننا حين نسمع خبر موت يليه خبر موت آخر فلا بد أن الثالث قادم، تكسر عود كبريت خشبي حتى لا يأتي الخبر و نجلس لننتظر

أما جدتي، فحين تأتي سيرة مرض مستعصي مما فشل الطب في علاجه، فهي تهز كتفاها في حركة رقص شرفية متمتمة "هز يا وز .. هز يا وز"، نضحك على ما تفعلة فتأمرنا ناهرة أن نهز أكتافنا مثلها لننفض عنهما سيرة المرض وشروره، يقلدها الأحفاد كلهم ضاحكين

وأنا بين أمي وجدتي

جدتي ست جميلة، تعشق أن تُـدلل! يقسمون أن كل من رأها في الصغر أراد أن يتزوجها، وتقول هي أن فريد الأطرش أرادها أن تشاركه بطولة أحد أعماله ولكن جدنا رفض. هي سكندرية ذات أصول شامية ولديها لكنة في نطق بعض الكلمات تعود لتعليمها الفرنسي الذي لم تتلق غيره وإن كانت لم تكمله.
جدتي عصبية جداً، تزوجت في البداية رجلاً أحبته كان له في الفن باع – هو جدي لأمي – أتعبها كثيراً فهي لم تطق عدم استقراره. تزوجت بعد ذلك رجلاً أحبها بجنون – أحسبه جدي أكثر من الأول – وأتعبته هي كثيراً ولكنه يتحملها إلى الآن.ذ
جدتي الجميلة أصبح شعرها خيوط من الفضة تتركها منسدلة على كتفيها وتجلس على الأريكة تتألم من كل أجزاء جسمها كطفلة لا تتحمل الوجع، وحين تذاع أغنية النهر الخالد لعبد الوهاب بين البرامج على التليفزيون المصري يصاحبها تصوير لخيال سيدة ممتلئة قليلاً ذات شعر طويل تجلس على شط النيل تقول لنا بنبرة دلال وبعضاً من الفخر أنها هي تلك السيدة. ذ

أمي ست جميلة، من يراها يرتاح لها طوالي! أمي محترمة جداً، ملتزمة جداً، ومظهرها محافظ جداً .. تكره الخطأ وتتجنبه، تقسو على نفسها كثيرا لتحافظ على التوازن حولها، وتنسى نفسها لأجل من حولها، هي حمولة وصبورة وبارعة في كتم ألامها. وهي في بحث دائم عن نتائج مثالية وحياة لا يشوبها شائبة.ذ
نبحث في أدراج الصور ونجد مجوعة صور قديمة بالأبيض والأسود، ضمنها صورة لأمي على شاطئ البحر، مرتدية تنورة سبيعنية قصيرة وقميص صيفي خفيف، على ظهر الصورة إهداء إلى أبي يحمل كلمات أغنية "بحلم بيك" لعبد الحليم. حين نضحك ونواجهها بالصورة تنهرنا وتسحبها مننا ولا نجدها أبداً بعد ذلك في درج الصور. ذ

وأنا بين أمي وجدتي

يقولون أني أشبه جدتي شكلاً .. كأني قطعة منها، أنا أراها أجمل مني بمراحل .. أنا مثلها أعشق الغنج ظللت أبحث عن حب يدللني كطفلة متعبة وحين وجدته تمسكت به ولم أسمح لأحد أن يهدره، يتحملني هو إلى الآن ولا أعلم إلى متى.

أنا مثل أمي في مطاردة دائمة لمثالية غير موجودة... أخاف أن أخطيء. طفولتي قضيتها طفلة مطيعة تلبي أوامر والديها ورغبتهما في أفضل الأبناء، كبرت بعد ذلك لأقضي عمري في حسبان تصرفاتي و متابعة أراء الأخرين حولي، فلا أخطو خطوة إلا بعد أن أجهد عقلي في نتائج ما أفعله. ذ

وأنا بين أمي وجدتي

لي معتقداتي، أرصد إشارات الكون حولي كي أسلك الطرق المحددة. أضع شريط مجهول الهوية في مشغل الأغاني وأقول أن الأغنية القادمة على حظك أو حظي. في المساء أحضر كتاب وأخبرك أننا سنلعب لعبة الرباعيات، أفتح صفحة عشوائية وأهدي أربع جمل مختارة لك وصفحة أخرى عشوائية بها أربع جمل لي.ذ
بعدها أجلس وأفكر... فأنا أؤمن بإشارات الكون لي كما أؤمن بكبريت أمي الخشبي وهزة كتف جدتي، أنا أؤمن بخرافاتنا، وأؤمن بجدتي وأمي

Saturday, January 12, 2008

صدر حديثاً

وظهر في العقد الأول بعد الألفية الثانية حركة أدبية حديثة - لم يعرفها الناس من قبل - عرفت باسم التدوين، واتخذت الحركة أشكالاً متنوعة من الكتابة على مواقع التدوين المختلفة المتاحة على الشبكة العنكبوتية
وتطورت الحركة الأدبية سريعاً بمساعدة جيل المدونين الأول حتى توجت في عام 2008
باقبال كبرى دور النشر في مصر على تحويل المدونات الإلكترونية إلى أعمال أدبية في شكل كتب منشورة
وبدأت حركة النشر بكتاب أرز باللبن لشخصين للكاتبة رحاب بسام - و كتاب أما هذه فرقصتي أنا للكاتبة غادة محمد
مبروك يا أحلى بنــــــــــــــــــات

Ghada Mahmoud Rehab Bassam

الأغلفة تصميم الفنان وليد طاهر