Tuesday, February 03, 2015

يا مين يقولي أهوي!

كنا مجموعة متوسطة العدد من البنات والأولاد المنتمين لسنوات دراسية وأقسام مختلفة في كلية الألسن جامعة عين شمس، رغم اختلاف دراستنا ومواعيد محاضراتنا وأصولنا وأماكن معيشتنا إلا أننا استطعنا تكوين علاقات تقارب وصداقات معقولة بيننا منصّبين نفسنا المجموعة الألطف والأشهر نسبياً بين طلاب تلك الكلية المدرجة ككلية قمة فيدخلها الكثير من المولعين بالدراسة والتفوق، وتصنف كدراسة بناتي فيشح فيها عدد الذكور، والوحيدة وقتئذٍ على مستوى الجمهورية فيدخلها الكثير من سكان الأقاليم ونترفع عنهم قليلاً نحن القاهريون.  

كان وجهه وهيئته المختلفة واضحة لجميع مرتادي الدور الرابع في الكلية - "قسمي الإيطالي والأسباني" - حيث اعتادت مجموعتنا التجمع هناك لانضمام أكثر من فرد مننا إلى هذين القسمين. كان يميزه سنه الكبير بالنسبة لنا الطلاب المتدرجين من أواخر العقد الثاني إلى بدايات العشرينات، لذلك بدا "سمير" متفرداً! سمير أكبر من أكبرنا بما يقرب من العشر أعوام، دائماً يرتدي جاكيت جلد رخيص وحذاء رياضي ليس من ماركة معروفة، شعره الناعم مصفف على جانب واحد لامعاً من أثر كريم شعر، يرتدي سلسلة وإنسيال فضة بالتصميم متشابك الحلقات الذي يسميه الناس "كارتير" كأنه التصميم الوحيد الذي انتجه بيت الأزياء ذاك، أسمر البشرة وشارب رفيع يزين وجهه. عادةً ما يتجمع الطلاب في مجموعات تصغر وتكبر حسب التوقيت خلال اليوم في الممر الذي يسبق المدخل الزجاجي المؤدي إلى قاعات المحاضرات و"السكاشن"، وكان سمير في الأيام المتفرقة التي يأتي فيها إلى الجامعة يجلس في نفس الممر على السور الأسمنتي يمين أو يسار المدخل، وحيداً دائماً يدخن سيجارته ويشرب فنجان "قهوة مغلية سادة" كما كنا نسمعه يطلبها بصوت قوي شعبي من دادا زينب فراشة الدور.

كان سمير يبدو لي أقرب لهيئة سائق تاكسي معتني بنفسه وبسيارته الأجرة أكثر من هيئة طالب جامعي، ولكن وجوده الدائم في الجامعة يعني أنه بالضرورة ينضم لها! هناك أساطير دائمة يتبادلها الناس في أي مكان يرتادونه وهكذا كانت الجامعة، فنعرف جميعاً أمر الشجرة العتيقة المنشقة إلى جذعين كبيرين والتي نتجنب المرور تحتها لأنك إن فعلت بالضرورة "هتشيل مادة"، ونعرف شارع العشاق في الاتجاه الغربي للجامعة، ونعرف امن الجامعة الذي يترصد الطالبات الفاتنات أثناء دخولهن على البوابات وكم محاولة من هذه أفضت إلى خطبة البنت بالظابط الشاب، ونعرف الممنوعات التي يبيعها كشك جيمي في كلية الأداب على الناحية المقابلة لنا، نعرف كل ذلك ولا نتأكد منه بالطبع. وكنا أيضاً نتبادل حكايات غير مؤكدة عن سمير، ربما هو طالب فاشل دخل الجامعة متأخرأً وينهي السنة الدراسية بعد أكثر من محاولة فتقدم به العمر أثناء دراسته، ربما اضطرته ظروف قهرية أن يأجل الدراسة لعدة أعوام ثم انتظم بعد ذلك ليلحق ما فاته، ربما هو غاوي علام ويجمع الشهادات الدراسية فيكون ليسانس الألسن دراسة إضافية بعد أن درس الحقوق أو الفلسفة أو غيرهما. لم نبحث وراء الأمر كثيراً لأننا كنا ننسى سمير حتى نرى وجوده الشاذ كل بضعة أيام جالساًعلى السور الأسمنتي فنعيد التساؤلات في رأسنا ونضحك قليلاً على هيئته القديمة ويصر زميل لنا أن يغني بصوت ردئ كلما رأيناه يحتسي قهوته المنفردة " اهوى اهوى ... أنا أنا أنا اهوى ... يا مين يقول لي اهوى ... اسقيه بايدي قهوه". وكأن أحياناً يسمعنا سمير فينظر لنا بلا اكتراث، ويبدو مستمتعاً جداً بفنجانه الوحيد حتى أننا كنا نلمح ابتسامة خفيفة، وأصبحنا بعد ذلك حين نريد أن نذكره نقول سمير قهوة وقد عرف بشكل ما أن هذا هو اسمه.
     
في صيف 97 وكنت قد انهيت عامي الدراسي الأول بالجامعة، كنت أقلب بين قنوات التلفزيون بحثاً عن كليبات الأغاني الذائع سيطها حيث كانت هذه الأغاني قبل سهولة الاتصال بالانترنت وتعدد القنوات الفضائة هي قمة الانتفتاح وقتها، كنا نحب جداً أغنية "ليلى" لمحمد منير، توقفت عند الأغنية لمتابعتها ولم تكن المرة الأولى التي أشاهدها ولكن لأن فكرة التصوير تقوم على تتبع منير بينما ناس كثيرة وتفاصيل أخرى تحدث في الخلفية فكنت عند كل مشاهدة ألاحظ شيئاً جديداً وفي هذه المرة كان حظي أن ألاحظ أن قبل نهاية التصوير يمر شخص أسمر البشرة يرتدي جاكيت جلد وسلسة كارتير ما هو إلا سمير! يمر بلا اكتراث كأنه هنا صدفة بعد ان انتهى من قهوته الوحيدة وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة. 

في العام الدراسي التالي، قلت جداً زيارات سمير للكلية ولم نعرف ماذا حدث له ولم أقل لأحد اني رأيته في الكليب المشهور، ولكن في مرة من المرات قبل أن يمتنع تماماً عن المجئ كنت قد وصلت مبكرة ولم أجد أحداً من مجموعتنا لأجلس معه، مررت يومها أمام سمير وقلت له بتردد "صباح الخير"  فرد الصباح وسألته عن الكليب ، فضحك كثيراً  ولم يجبني! وظللت في حيرة مابين سمير مشروع الفنان المغمور وبين مشروع التاكسي الذي كنت أراهن أصدقائي أننا سنخرج مرة من الجامعة لنري سمير يغسل سيارته الأجرة المزعومة في الباركينج.

وبعد ذلك بأعوام، كما تذكرني القهوة دائماً بأغنية اسمهان فأنها أيضاً تذكرني بسمير فمازلت وأنا أصب قهوتي أدندن "تدبحني عيونك لمّا تخطفني وسط اللمة ..  ليلى يا ليلي يا ويلي يا ليلى" ثم أغلق عين البوتجاز وأفكر ان كان سمير وجد من يشرب معه قهوته!

Monday, November 17, 2014

الحتة اللبناني

كان يكفي أن يقول لي في نهاية مكالمة ال Skype   "ميرسي لـ َ إلك" حتى أذوب وأتـفتفت وترتسم حولي قلوب وزهور وفراشات. كنت أثناء مراهقتي أجزم أني سأتزوج "واحد" لبناني حيث أني نشأت في إحدى دول الخليج التي تتلاقي فيها الجاليات العربية المختلفة بعيداً عن هم أو فقر بلادهم المنكوبة. تركنا البلد بعد ذلك وجئنا إلى مصر ولم أعد أقابل حولي لبنانيون ولكن ظل في قلبي – حتة كده – للبنان.

أحب الــلهجة وأقلدها، أحفظ أسماء المناطق والفسح التي عرفتها من الأفلام المصرية القديمة التي صورت هناك، أتتبع قصص الحرب والفقد والرصاص التي قرأتها في روايات ربيع جابر وجبور دويهي التي ترشحها لي مواقع الانترنت، أؤمن بالمقولات العجيبة التي يتداولها الناس عن اللبنانين وحلاوتهم وشطارتهم في التجارة والفن والجمال فيقول أبي "اللبناني يلبس حلو ويـتفسح حلو ومش مهم بيته شكله ايه" أو تقول أمي "من كتر ما شافوا في الحرب مبقاش يهمهم، الضرب جمبهم وهما سهرانين وبيرقصوا"، كل ذلك بعد أعوام كثيرة من جملة مبهمة رماها لنا طفل في المدرسة في منتصف الثمانينات قائلاً مقلداً أحد والديه "لبنان اتحرقت"! وكل ذلك قبل أعوام كثيرة من متابعة أيقونات الدلع والجمال عبر قنوات المستقبل والـ LBC مع ظهور أطباق الدِش على أسطح البيوت المصرية في أوائل التسعينات.

لذلك حين جاءت لتعمل معنا منال اللبنانية اقتربنا كثيراً كصديقتين، فضلاً عن كونها لطيفة وحبوبة ودمها خفيف كان يكفي أنها لبنانية. منال شكلها مصري تماماً، جميلة جمال غير لبناني: بشرة سمراء وعيوان سوداء وملامح هادئة وترتدي حجاب. جاءت في أول يوم عمل مبكرة وجلست في المكتب المخصص لها وأخذت تتحدث في هاتــفها بلهجتها اللبنانية المميزة وصوتها العالي، كلما هل زميل في الصباح جاء مسرعاً يستكشف الزميلة اللبنانية متتبعاً الصوت فيتوقف قليلاً عند الوجه الوحيد الجديد بحيرة ثم يسأل باقي البنات "هي فين"!
وحين تصبح منال صديقتنا بعد ذلك تضحكنا وتقول أنها لبنانية مضروبة وتقول لنا أن مصر مناسبة جداً للبيزنس لذلك جاءت هي وزوجها اللبناني جاد.

حين تحدثت مع عياد على سكايب كنت حرفياً أُحلِق! لم اتعرف على عياد على الانترنت كسبيل للدرشة وقتل الوقت أنما كانت – والله - مكالمة عمل. كنت أقوم بخدمة تطوعية لإحدى المؤسسات التنموية بجانب عملي الأساسي وتطلب ذلك السفر لحضور اجتماع مغطى النفقات في لبنان وكان عياد يقوم بالترتيب اللوجيستي للإجتماع.     

جلست معي منال قبل السفر تشرح لي ماذا أفعل في لبنان وقالت لي أين أذهب وكيف أحاسب سيارة الأجرة وأن ازور جعيتا وحريسة وبين كل جملة وجملة تقول منال لي "انتبهي ..ها!" وتأكد علي أن أمر على أمها في منزلهم بالسوديكو.

في لبنان انشغلنا بالاجتماع وانشغلت بعياد. كان عياد رائعاً وغامضاً وضائعاً كأنه خارجاً لتوه من رواية لربيع جابر، وقد نسيت منال أن تقول لي أن انتبه لذلك.

تزامن الاجتماع مع حفل فيروز الذي تقيمه بعد أعوام من الغياب، بالإضافة أننا نعرف جميعاً أن فيروز لا تقيم حفلات في مصر. أبديت جزعي حين وصلت لبيروت أني ليس فقط لن أحضر احتفالات الكريسماس هنا بل لن أحضر حفل فيروز لاستحالة الحصول على التذاكر قبل الحفل بأيام. ولكن عياد دائماً عنده حل، أحضر لي التذكرة لا أعلم كيف ولا أعلم لماذا، ذهبنا إلى الحفل مع جمع كبير من أصدقاء عياد وحاضري الاجتماع وأخرين وكانت جلساتنا متباعدة بسبب شراء التذاكر في توقيتات مختلفة وزحام الدخول. حضرنا الحفل جالسين على كراسي بلاستك  كتلك التي توضع في حدائق النوادي تبعاً لسعر تذاكرنا المنخفض ولم يكن حولي أحد أعرفه! كنت أتلفت حولي لأبحث عن عياد وقالت لي السيدة اللبنانية الأنيقة بجانبي "عجقة .. ما فيكي تلاقي حدا هون" استسلمت وأخذت استمع للأغاني دون أن يمسك يدي أحد جانبي ليخفف من وطأة سماع أغنية "في أمل"!

رجعنا بعد الحفل لنكمل السهرة على قهوة في شارع الحمراء احتراماً لهؤلاء الذين لا يريدون الذهاب إلى الجميزة. بسبب الحفل كانت بيروت تعج بالمصريين، كنا كأننا نقلنا وسط البلد إلى الحمراء وبدا الامر موتراً وأنا أقابل شخص مصري أعرفه كل بضعة كيلومترات. على المقهى كانت طاولة طويلة تضم عدداً غفيراً، وأنا خائبة وضائعة جداً في التجمعات الكبيرة، يحكي الجالسون عن أشياء تختلف
كثيراً عني فانبهر وأبدو أكثر خيبة. يلاحظ عياد هذا ورغم قلة كلامه هو الآخر إلا أنه يحاول إلتقاطي بين لحظة وأخرى وقال بلهجة مصرية خــَرِبة "هتعملي ايه بكرة" وأخبرته اني سأزور جعيتا كما أكدت عليّ منال. فيصرخ "جعيتا!! جروتو دي اوفر ريتد، سيبيلي أنا مهمة اليوم اللي فاضل!"
ثم يحاول عابثاً أن يشرح لي الفرق بين نطق المصريين لاسم منال بألف مكسورة ونطق اللبنانيون للاسم منال بألف مفخمة ويضحك حين لا استطيع رصد الفرق إلا بحركة ذراعي أمام فمي مع نطق الألف دلالة التفخيم!
شيئاً ما جعل عياد يهتم بي تلك الليلة، قال شئ مثل أني اشبه ممثلة لا يعرف اسمها كانت تظهر في أدوار ثانوية في الأفلام المصرية القديمة، لم أفهم ان كان هذا يعني شيئاً جيداً أم لا ولكني لم أمانع هذا الاهتمام. قمنا وعرض أن يوصلني إلى الفندق حيث أقيم واقنعت نفسي أن هذا من صميم عمله في إتمام شئون حاضري الإجتماع. قلت له أني لم أسافر كثيراً قبل ذلك ولكن تعجبني فكرة الضياع في المدن وأني أحب أنا أرى بيروت .. مشينا كثيراً لم نكن ترى شيئاً معيناً كان يدخلني بين مربعات سكنية حديثة البناء ويشير لبناية محددة قديمة بها حفر دائرية ويقول أنهم تركوها بآثار الرصاص من أيام الحرب.   

مر عياد علىّ في اليوم التالي في الثامنة صباحاً في سيارة استأجرها واخدني لبيت الدين وقال لي أن أشرب من مياه الينابيع المتدفقة من المسقى أمام باب الدخول وقال "شربتي منها هترجعي تاني، زي النيل في مصر كده"، ثم تحركنا مرة أخرى واخذنا نصعد وهو يتجاهل خوفي من قيادته المريعة حتى وصلنا لغابة أرز الشوف وكنت أشعر أن عياد طويلاً جداً مثل كل الشجرات التي حولنا وان المشي جانبه يتطلب النظر كثيراً لأعلى وهذا صعب لأني احب النظر إلى خطواتي وأنا امشي. جلسنا هناك أربع ساعات، كان عياد يثرثر عن أشياء تضايقه وعن مشروعه للسفر إلى كندا ويقول أشياء عن الوضع الراهن ويكرر أسماء السياسين والأحزاب والتيارات وأنا أعلق بأشياء غالباً لا ترضيه فيقول اني لا أفهم وأنا فعلاً لا أفهم. كنت أفكر وقتها ترى على أي تيار يحسب عياد، وتذكرت أن لو كانت منال هنا، كانت ببساطة قالت لي "قوليلي هو من بيت مين وأنا بـِقلك".

سافرت في اليوم التالي ولم يوصلني عياد للمطار، فقط أرسل لي على الفندق حلوى قمر الدين في قطع صغيرة ملفوفة بسلوفان وكتب على كل منها رسالة كرسائل حظك اليوم وعلى العلبة كتب "الرسايل كلها مكتوبة بالمصري، تفتح في مصر". وصلت مصر قرأت الرسائل كلها وضحكت ثم بكيت ونسيت الأمر كله بعد ذلك.    

بعد شهرين حادثني عياد على Skype باللهجة المصرية الخربة التي يصر أن يتحدثها "ندى!؟ أنا مسافر كندا خلاص ؟ أوكيه؟؟" اربكتني صيغة الاستفهام في اخر جملته،  فكرت قليلاً ثم أجبته إجابة لم ترضيه فقال مرة أخرى أني لا أفهم!


أهاتف منال وأقول لها أن عياد جميلاً وغامضاً ورائعاً ولكنه لبناني زيادة عن اللزوم.

Tuesday, May 27, 2014

فين الحب وفين الصاحب يا عبد الخالق؟

عام 86 كان بداية تكوين وعيي الطفولي اللي يخليني كطفلة أتلصص من شباك صغير بحجة أني "عيلة مش فاهمة قوي" على الدنيا الكبيرة والكلام الغريب وقصص الأخوات والأقارب الأكبر وأحاول أحل ألغاز لأفكار صغيرة ولأسئلة كبيرة في دماغي حتى ولو كنت في الأغلب بحلها غلط. في السنة دي رحنا نصيف في مراقية أشهر قرية في الساحل الشمالي وقتها وكان ألبوم مرسال لعلاء عبد الخالق (كنا بنسميه شريط وقتها) هو الموسيقى التصويرية للمصيف ده، وصحيح إني مكنتش مهتمة قوي بالمزيكا أو أغاني الكبار في السن ده إلا أني كان سهل قوي ألاحظ أو أفهم أن البنات في المصيف حلوات قوي و بتتعاكس وفي شباب أكبر بيلفتوا نظر البنات وأن المصيف انفتاح وحرية فيها الناس بتتقابل وتتصاحب ويشغلوا لبعض الأغاني في بلكونات الشاليهات أو من كاسيت العرببة أو يغمزولهم عند جملة معينة في الأغنية وهما قاعدين على حمام السباحة، الناس بتحب وتتحب  طول 3 شهور المصيف والمزيكا مهمة قوي للحب! فتفضل أغنية "مرسال الحب" لعلاء عبد الخالق شاهد عندي كطفلة على كل مشاعر أعجاب بلهاء هتزورني في السنين اللي جاية، واللي هي عادة قصص صامتة والأغاني الخفيفة عنصر أساسي فيها، مع الاهتمام أننا نسيب الشريط لبعض بعد كده ذكرى لمرسال الحب اللي في الأغلب هيتنسي.

بعدها بسنة مع ازدهار نجم علاء عبد الخالق كان في شريط "وياكي" اللي أنا مش فاكرة منه حاجة قوي ، غير أغنية اسمها "سلم" واللي فضلنا نشغلها في الواك مان أنا وأصحابي الأطفال أثناء رحلة مدرسية ربما كانت للقلعة أو الهرم  لا أتذكر إلا أن المشكلة الأكبر أن كلام الأغنية حقيقي صعب علينا تفسيره كأطفال فنقضي الرحلة نتجادل عن ما يقصده بسلم ده السلام لله حيث كنا نجزم أنها مجرد نغمة موسيقية لاكمال اللحن لتكون سلم ده السلام لا لا أو أننا اخطأنا السمع بينما هي سلم ده السلام يلّا حيث أننا لم نستوعب كثيراً فكرة أن السلام لله!

في 91 كانت الطفولة بتنتهي والواحد بيخطي للمراهقة بخطى واثقة، كنا ينحلم ازاي تفوت بسرعة سنين المدرسة ونروح الجامعة رغم أننا مازلنا محملين بأطياف الطفولة. كانت أغنية داري قنبلة في زمانها حيث جاء فيديو كليب الأغنية (كنا بنسميه التصوير وقتها) على أشهر موضة ساعتها وهي الكليب اللي بيحكي قصة ملهمة جداً مهما كانت ساذجة،  والأهم ان الكليب حمل لمصر أهم فتاة أحلام في الكام سنة اللي الجايين وهي جيهان نصر اللي الزمن لعب لعبته وانقذنا منها بجوازها من ثري عربي يقرر يخفيها عن عيون الحاقدين والراغبين، بس المهم ان الكليب ورانا أبعاد جديدة للبنت القمر اللي ماشية في الشارع وبتتسوق في محلات سور نادي الزمالك وتتقل على الحبيب اللي وراها طول الكليب وهي بتتقصع في المشية وتعدل القصة وترفع النضارة من غير ما حد يستجرى يقول البنت دي صايعة وقليلة الأدب حيث طغى الانبهار بفتيات الاعلانات على الأدب.

درة أغاني علاء عبد الخالق كانت أغنية مكتوب من ألبوم يحمل نفس الاسم، واللي كانت بسبب الفيديو كليب بتاعها (برضه كنا لسه بنسميه نصوير الأغنية رغم بداية ظهور اللفظ كليب) شباك كبير نبص منه على فيلم أجنبي عظيم لأبناء الجيل ده اسمه The Bodyguard لـ Whitney Houston  و Kevin Costner  والفيلم كان ساعتها يسحر من حيث أنه قصة حب مؤثرة بتنتهي نهاية سعيدة مع شوية أكشن لطيف أثناء الأحداث ميضايقش البنات قوي، وبطلة الفيلم أعظم مغنية أجنبية في الوقت ده.  وعلى سماجة وبرود Costner إلا ان الفيلم لطيف في المجمل، واتغنت فيه الأغنية اللي فضلت الرقصة الslow   المهيمنة على كل أفراح أقاربنا الكبار الي كانوا بيحبوا زمان على مرسال الحب. أغنية مكتوب  اللي يتخللها حضور طاغي لعزف الكمنجات والتنويع في الموسيقى السريعة الذي يأتي بعد مقدمة موسيقية وموال قصير من علاء كانت طفرة في الإحساس وبالنسبة لنا مزج خطير بين موسيقى الشرق اللي متعودين عليها وصور الغرب المبهر لينا، غير أن كلمات الأغنية غاية في العشق والوله بالنسبة لأشعار هذا الوقت مع التأكيد ان الألبوم ده شهد ظهور علاء كمطرب من جيل الشباب بدأ يرتدي نظارة نظر.

في نص التسعينات كان هناك انتاج غزير لعلاء ، انتاج ناجح وان كان لم يحقق نفس الإبهار السابق فكان يخفت سريعاً أو ربما هي سمة التسعينات، وقتها عز عذاب الثانوية العامة وسنوات تحسين المجموع وأول اختبار مشاعر حقيقي لحب المراهقة اللي بينشأ ويترعرع في الدرس كفرصة تواصل طبيعية بين الجنسين، اللي بيخلص لما كل واحد يخش جامعة غير التاني، أو الحب اللي يبدأ في الجامعة ويخلص بعد الأربع سنين إياهم مع استحالة الاتصالات وعدم انتشار المحمول حتى تلك اللحظة. في هذا الوقت العصيب كانت موضة الدويتهات بين مطربين الرجال معروفين ومطربات لسه بيحاولوا، خرجت لنا رائعة علاء "بحبك باستمرار بحبك طول العمر .. يا أجمل ما في البيض يا أحلى ما في السمر" كأنها وعد كده ان مهما حصل - ورغم أنه مبيكملش الحب إياه ده - إلا إنه من أعظم ما حدث.    

السنين تعدي والشبابيك اللي الواحد يبص بيها على الدنيا بقت أكتر وأكبر وساعتها شبابيك علاء مبقتش كفاية أبداً لما خلاص مقدرش يواكب وبقا موضة وخلصت وبقا في اتساع للوارد إلينا من أفلام وأغاني وانترنت واخذ نجم علاء في الأفول. بس تفضل شبابيك زمان ليها مزاج تاني، لما الواحد كبر شوية سنين اكتشف أن نفس الألبومات القديمة دي كان فيه أغاني من أعظم أغاني الحقبة التاريخية دي، فيفضل يحن للشرايط القديمة عشان يسمع الحب ليه صاحب بتاعة أحمد منيب ويعجب قوي بالأعادة الفنية اللي عملها علاء عبد الخالق، ويعجب بالصداقة اللي ناطة من أغاني الدويتو اللي عملها علاء مع حميد الشاعري والواحد مش عارف بيسمع الأغنية عشان كوبليه حميد ولا كوبليه علاء، وهناك أغاني يطغي عليها حزن غير مفهوم رغم حنيتها ومشاعر الحب التي يطفر منها فنسمعها مراراً وتكراراً واحنا بتجتر قصص الحب اللي مراحتش في حته ونقول "اضحك،  رغم الحزن الباقي ... " ، والمفاجأة الأكبر انك تكتشف فجأة ان أغنية "بحبك كون" رمز الحب الرايق الوديع المخلص أغنية وطنية تخبطك في اخرها خالص وعلاء بيقول "بحبك انت يا بلادي".  

 نحن لا نعرف أين علاء، ساب الغنا وبيعمل ايه؟ كيف تكسب قوت يومك يا عبد الخالق؟ هل أثناء سنوات شهرتك الذهبية فتحت محل حلاقة رجالي  أو مطعم مرموق لتتغلب على السنين العجاف التي ستأتي فيما بعد؟ هل حققت كل الأحلام؟ هل انتهى الإبداع؟ هل تجلس وحيداً على كرسي فوتيه ترتدي نظارتك النظر ووراءك مكتبة فيها ألبوماتك كلها وأنت تتحسر على زمن فنك الجميل؟ مقلتلناش ليه يا علاء ان السنين هتتغير وان محدش أصلاً له صاحب؟ ان كمان حميد مش هنعرف هو فين؟وأن جيهان هتختفي؟ وان Whitney Huousten  هتموت في حالة مزرية؟ وحنان ومنى عبد الغني زمايلك في الفرقة هيبطلوا الاتنين غنا ؟

طيب واحنا؟ احنا دلوقتي واحنا في التلاتينات ومتجهين للأربعينات بخطوات سريعة لكن ليست واثقة، يصدر لنا العالم فكرة أننا شفنا كل حاجة وكفاية بص بقا واجب علينا
نقفل الشبابيك ونكتفي! ولكن أين نذهب حين نترك شبابيك الفرجة تلك؟
أقول قولي هذا وأنا ادندن كما قال علاء زمان " بس تعيشي وتفضلي .. تمر السنين ولا تدبلي ..."


ألبومات علاء عبد الخالق 

ربنا يخليلنا ساوند كلاود 

Wednesday, March 26, 2014

ست حقنة

كان سهل قوي زمان واحنا عيال انك تاخد حقـنة .. كان حوالينا دايماً في حد بيدي حقنة ، حد عادي مش دكتور ولا صيدلي ! جارة عزيزة ، صاحبة ماما ، حد جاي يزور في بيت جدتي بالصدفة فتاخد الحقنة بسهولة ، سواء كنت نايم في سريرك لسه الحُمة مكسراك أو اتحسنت شوية فبتلعب وتتنطط عادي كطفل أصيل مبيضيعش وقته  ويندهوك عشان طنط فلانة هنا وممكن تديك الحقنة. و حتى حين يتعذر وجود هذا الحد العادي، كان اخدان الحقنة مشوار لطيف ، يبشر برانديفو شخصي جداً مع ماما لا يشترك فيه أحداً اخر من أفراد الأسرة، مشوار في الشوارع التي كانت زمان تحسها كبيرة جداً والمسافة تحسبها طويلة جداً، ونمشي كتير عشان ممرضة دمها خفيف تديك الحقنة في حين ماما مدياك حضن أمومي عنيف بقصد انك متفلفصش ولو انك مترجم الحضن بحب شديد  يخليك مش حاسس  بالحقنة قوي ، وفي سكة الرجوع هتعدوا تشربوا عصير قصب سوا ويمكن تعدوا تشتروا مجلة ماجد أو سمير أو لغز جديد مش موجود عندنا في رف مكتبة التليفزيون اللي فيه كتب العيال!

الحقنة طول عمرها بايخة، بس بقت أبوخ لما اخدانها بقا متعذر كده اليومين دول! في فترة ما كان لازم لأسباب صحية اني اخد حقنة

كل يوم، وكان عندي مشاكل متعددة في اني اختار ازاي هأخذ الحقنة انهارده. كنت متغاظة جداً من فكرة اني هنزل كل يوم اخد حقنة ، مش ناقصين مشاوير يعني خصوصاً لما نبقى ساكنين في الرابع من غير أسانسير، فلجأنا أول ما لجأنا لأننا نكلم الصيدلية تبعتلنا حد يدي الحقنة، ده كان أول النكد في اني أدرك ان اللي هيدي الحقنة هو الشاب طيار الدليفري اللي والله رغم أدبه مش هقدر حقيقي احط وشي في وشه لو جبلي أدوية بعد كده، ففكرنا كل يوم نغير الصيدلية إلا اني قلت كده تبقى الكسفة متوزعة ومش هقدر أطلب أدوية دليفري بعد كده أبداً والامر حقيقي مايسلمش!  خلاص هاخد الحقنة أثناء نزولي لأداء أي مشوار ،  وكان الصراع اني ألاقي صيديلة فيها مكان مش مكشوف وفتاة ظريفة تديني حقنة! إلا ان الموضوع كان كأني بدور على معدن كربوني نفيس في شوارع الكومباوند اللي احنا ساكنين فيه، يأما الصيدلية مفيهاش مكان انساني غير مجروح اخد فيه الحقنة، يأما الأنسة الدكتورة لسبب ما عجزت عن تفسيره مبتعرقش تدي حقن فهيديهاني برضه شاب الطيار الدليفري! حلى الأخير كان اني ادور على مركز طبي – مستوصف يعني قبل ما الكلمة دي تبيقى بيئة -  وهناك المفروض الاقي ممرضات كتير يدوني الحقنة لكن برضه تعذر وكان التمرجي في الاخر هو صديقي الصدوق أمين سر الحقنة ، عدى الأمر في أول عدة مرات في سلام ، التمرجية تعمل علي شيفتات مما يضمن عدم التعرض لنفس التمرجي أكتر من مرتين والمكان مجهز تماماً لسهولة وأمان أخدان الحقنة! إلا اني في يوم مشئوم بعد ما الراجل جهز الحقنة وانا مش مدية خوانة حسيت بشكة الحقنة من غير مااحس بسقعوية قطنة السبرتو قبلها فاكتشف بلا فكاكة ان التمرجي بيديني الحقنة من غير مايطهر قبلها ولا بعدها لأنه مجابش قطنة بسبرتو أصلاُ ومعهوش غير قطنة ناشفة هو مقتنع انها معقمة لأنها طالعة من الكيس وهو مصر انه مش ضروري قوي يعني وبتحدي بيقول  "طيب يعني أشيل الحقنة تاني ولا اعمل ايه"! اخذنا وصلة خناق وزعيق شهدنا فيها الدكتور والادارية اللي في المركز اللي قعدوا يهدوني وياخدوا بخاطري وهما بيأكدوا ان نسبة التلوث واحد في المليون ويقرر الدكتور المسئول يرجعلي 3 جنية تمن ضرب الحقنة كادو من المركز وربما بدل تلوث... خرجت وسمعت التمرجي من الشباك ببيرطم "أما انت ست حقنة صحيح" ....

ونبي انت بس اللي مش عارف قد ايه طقس الحقنة كان طقس حميمي جليل ... عشان تدي حقنة ضروري تكون شخص قد الحقنة وجايز حقنة انت ذات نفسك!

Thursday, December 05, 2013

العمر اللي بقا حزين

انهارده يوم حزين ؟ ولا كل يوم بقا يوم حزين ؟ طيب شهر حزين ؟ العمر كله يمكن بقا حزين ...

أنا من شوية سنين فاتوا قررت أني مش هكتب كتابة فضفضة ، عيب! أنا عايزة أبقا كاتبة بجد ومهمة ، والكُـتاب اللي بجد مش بيكتبوا فضفضة "خواطر" من الخايبة اللي بتتبعت للمجلات وتتنشر ملو صفحات وجبر خواطر. بس انهارده مش قادرة ، الاحاسيس مرهقة والأفكار عمالة تجري في دماغي تخبط بعض زي كور متشاطة بغشومية مش عارفة توصل لحتة ولا تتحط جون. أفكاري مرتبكة عشان حزينة زي العمر الحزين ...

بقالي شوية بصحى على أخبار وحشة، كل يوم خبر وحش أوحش من اللي قبله! يمكن الأخبار من متشخصنة، بس الوحاشة طاغية! هي الدنيا قاسية قوي كده ولا أنا اللي مكنتش فاهمة.  الوحاشة طاغية وطافحة وقريبة قوي ، الناس وأنا زيهم -  بتتعامل مع الأخبار الوحشة كحاجات بتحصل لللناس التاننين واحنا بقا الناصحين اللي مش الناس التانين.

الموت قريب! الناس اللي قدنا بقم بيتخطفوا كل يوم. الناس اللي قدنا!!؟ يمكن احنا اللي كبرنا واللي قدنا بالطبيعة كبار يدوب يموتوا؟ بس دول بيموتوا وهما قاعدين على الكنبة في البيت من غير ما بيقوا عيانين ولا تعبانين، اه بس منهم برضه اللي بيموت على الدائري ولا بعد صراع قصير مع المرض .. بس الناس دي كانت مليانه دنيا أول امبارح ، ايه اللي حصل!؟ ازاي القلب سكت؟ الناس دي مخلصتش اللي وراهم: وراهم شغل كانوا هيروحوه انهارده وعيال هيصرفوا عليهم ومشاريع وأقساط لسه موفهوش ولا الجمعيات اللي هما داخلينها ولسه ماقبضوش ..طيب بلاش: عندهم سفريات مرتبنها وايميلات كانوا هيبعتوها، وهدوم جاية من المكوجي .. عندهم ناس ملحقوش يقولولهم انهم بيحبوهم وعندهم أحلام لسه بيجروا وراها. فجأة كده الخيط  انقطع؟

 طيب بلاش الكبار اللي قدنا، خلينا في  العيال اللي أصغر مني بيجي أكتر من عشر سنين اللي بيخطفهم الموت في الشوارع عشان بيقولوا كلام مش عاجب ناس تانين ... طيب أمهاتهم حاسين بايه؟ لسه بيحسوا أصلاً؟ هي بعد كسرة الحلم والأمل في شيء يتحس؟ العيال دي مين بيخش امتحانتها في الجامعة ، ديسكاتهم فاضية طيب ، أمهاتهم عملت ايه في المكاتب والاوض المنكوشة اللي كانوا بيتهزقوا عليها في الرايحة والجاية؟

  كم طفل اعرفة عنده سرطان في الدم ، في اخر ست شهور سمعت عن تلاتة ! واحنا في مكان ألعاب من كام أسبوع كان في ولد مع أهله شعره كله واقع ... طيب دول وجعهم عامل ازاي؟ العيال دي فاهمة ايه اللي حصل وليه هما بياخدوا كيماوي واشعاع؟ فاهمين ليه هما مش قادرين يلعبوا وبيجروا ويروحوا المدرسة؟ فاهمين ليه شعرهم وقع؟ طيب الأمهات اللي وجعها من وجع عيالها بيقولي على السرطان يا رب اللي فيك يجي فيا؟ بيقولوا ايه الصبح وبليل وهما بيدوهم الدوا؟

ربنا بيدي الوجع على قد الاحتمال؟ طيب أنا جامدة يا رب وقوية؟ هعرف أخلي بالي من حد محتاجني، كاتبلي ايه يا رب في الأيام الجاية؟ مش مهم اللي بيروح اللي بيروح بيرتاح زي ما اتقالنا. اللي فاضل هيعمل ايه ... اعمل ايه من غيرهم؟ طيب هيعملوا ايه من غيري؟
هيعرفوا أنا شايلة الحاجات اللي بيحتاجوها فين؟ طيب اكتبلهم ورق عليه تعليمات زي ما بعمل وأنا مسافرة؟ اكتبلهم ونبي  ماتزعلوا من غيري!

طيب يا رب أما اجيلك .... هتسامحني صح؟    

لما أروح أكلوا العصافير اللي بيجولنا في البلكونة، متنسوش أنا بحطلهم باقي العيش اللي محدش بياكله ، وساعات بحطلهم كيك من وراكم!    

Sunday, December 01, 2013

يوماً ما سأكون رائعاً ...


سأخرج صنية الكب كيك من الفرن وستكون الكعكات الرائعة ذهبية اللون وجهها كامل الاستدارة ، تضعطين عليها باصبعك لترتد مستديرة كما كانت. هذا ما تقوله صفحات "دليل 101 الكامل للخبز" .. وحين يحدث هذا، حين تخرج الكعكات جميلة باهية بوجه صابح منير ورائحة فانيليا تلف المنزل بأكمله - يومها فقط - سأكون رائعاً.  

يوماً ما حين كنت في الثانية عشر وما بعدها إلى أن انتهت المراهقة – أو لم تنتهي - كنت اتخيل نفسي حين أكبر بصور مختلفة جداً شكلاً عما كنت ممكن أن أكونه، طويلة وشعري أسود طويل وشامة على ذقني كتلك التي كانت لدى اسمهان. وكنت في هذا الخيال ارتدي فستان أزرق سماوي رائق بلا أكمام وأتناول افطار منمق في تراس منزلي الكبير. لا أعلم لماذا كانت هذه الصورة هي المسيطرةعلى شكل أحلامي الأنثوية  ولكن مؤكداً لم أكن أعرف وقتها أننا لن نملك الوقت لنتناول الافطار في التراس أبداً واننا لو امتلكنا تراس فلن يكون كبيراً بالشكل الكافي وسيكون مليئًا بالكراكيب ، أو أننا لن نستطع الخروج بالفساتين اللتي بلا أكمام لأن البلكونة بالطبع مكشوف للمارة والجيران وأنه بالأحرى سنقضي اليوم في بيجاماتنا لكونه امراً أكثر سهولة وراحة.  

يوماً ما وأنا ارتب الكتب التي اقتنيها بعدما  أصبحت المكتبة القديمة لا تتسع لها أكثر من ذلك، انظر لهم كإنجازات أفخر بها فاعلقها على الرفوف. وحي تسألني صديقة في أحد الزيارات "قريتي كل الكتب دي" فأقول لها ليس بعد ولكن يوماً ما!  

قبل أن تدق الثلاثين أجراسها، جلست لأكتب قائمة بالأعمال التي أحب أن امتهنها .. بائعة ورد ، كاتبة مرموقة ، خبيرة خبز ، مذيعة ومقدمة برامج ، مديرة مشروع تنموي، صاحبة مكتبة، مدرسة بالجامعة، لا شيء وكل شىء وأشياء أخرى كثيرة. من المعقد أن لا تعلم في نهاية عشريناتك ما سوف يحدث لمستقبلك، وأكثر تعقيداً ان لا تعلم بعد وأنت في منتصف ثلاثيناتك ماذا تريد أن تكون حين تكبر، معقد لأنك حقاً كبرت.

يوماً ما سينتهى سوء التفاهم الكبير الذي نحياه .. سأستيقظ مبتسمة وأنام راضية .. يومأ ما سأحبك كما لم يحب أحد!! هكذا في العموم في المطلق، فقط ان كنا في زمن اخر في مكان اخر، ستأتي قهوتي على ذوقي ويأتي شايك سكر زائد كما تحبه ويتركنا الخلق لشئوننا.  

يوماً ما سأكون أنحف من هذا عشرة كيلوجرامات وعضلات بطني مشدودة وسأشتري جينز جديد بسهولة دون أن أقضي يومان في البحث. ستكون أظافري دائماً مطلية وشعري دائماً رائع، منسدل على أكتافي أو مرفوع لأعلى، سيكون فقط رائعاً .. يوماً ما، لا أعلم متى، يومأ ما لا يأتي أبداً! 

Thursday, March 07, 2013

عما قالته مـس هانم



"ماهو لو ماتجوزتيهوش هيفضل أمور" - هذا ما قالته مِس هانم مدرسة الزراعة محدثة بنات فصل الثالث ثانوي أدبي في الغرفة المهملة في جانب المدرسة حيث كانت تجلس مع مدرستين أخرتين في حصص أسبوعية ليحدثن البنات عن قصص حياتهن وأسرار بيوتهن بتلقائية عجيبة، وينهين قصصهن ثلك بحِكم نسائية تشكل وعي الطالبات لما قد يحدث فيما بعد.

كلما تشاجرت  نورا مع زوجها تذكرت هشام، وكلما تذكرت هشام غص قلبها. عادي أن يتشاجرا، فهذا ما يفعله المتزوجون .. يتناقشان ، ينفعلان ، يثوران ويلعنان اليوم الذي جمعهما ببعضهما البعض.ومن العادي أيضاً أن تتذكر هشام: مهندس الميكانيكا، طويل وعريض وأبيضاني وحليوة ، هكذا تجمدت صورته في ذهنها. 

تغضب من زوجها لأسباب مختلفة ، ينسى شئ طلبته ، يتجاهل تعليق قالته ، يهديها غسالة أطباق في عيد ميلادها الثلاثين ، تقول أمه شئ لا يعجبها ، يتشاجران على المصاريف أو الأحداث أو أياً كان، لا يهم. 

المهم أنها دائماً تتساءل: أين ذهب هشام؟ كل المشتركين بينهما تقطعت بهم العلاقات كأنهم لم يكونوا أبداً. تركت رقمه مسجل على هاتفها المحمول لا تمسحه مهما بدلت الهاتف رغم أنها لم تطلبه منذ أكثر من عشر أعوام، إلا أنها تتجاوزه بسرعة كلما لاحظته في القائمة أثناء البحث عن رقم أخر.

حاولت أن تتذكر أكثر من ذلك فلا تأتيها إلا مشاعر انتصارات أول العشرينات البلهاء . شاب حليوة يجري وراءها بالمشوار ، ينتظرها تحت مقر عملها ، يرسل لها زهور بلا توقيع ، يشغل لها موسيقة تحبها ، يهديها خاتم في عيد ميلادها ، والأجمل من ذلك أنه لا يعرفها حقاً ولا تعرفه. 

تقرر نورا أن تبحث عن هشام في الفيس بوك، وعلى الغير العادة التي تأتيك بقائمة محيرة جاءتها نتيجه البحث بشخص واحد فقط "هشام رفعت" . إلا إن هشام لا يستخدم صورته الشخصية، تكرر البحث كل فـترة وفي كل مرة الصورة مختلفة:  الأهلى بطل القرن ، صورة الهلال مع الصليب ، صورة علم مصر ، رأيه في التعديلات الدستورية ، صورة الحداد السوداء الشهيرة ، صورة أبو الفتوح أو أبو اسماعيل أو المشير أحمد شفيق ، أو أو أو لا يهم .. كل مرة تغلق نورا الفـيس بوك وتتمتم "هو أكيد أكيد فضل أمور"