Showing posts with label محاولات أدبية. Show all posts
Showing posts with label محاولات أدبية. Show all posts

Wednesday, January 21, 2009

البنات الكبيــرات لا يبكيـن

الانسان يميل إلى ملأ المساحات الفارغة .. الانسان يميل إلى غلق الأشياء المفتوحة. ذ
أكرر الجملتين في سرعة رهيبة فتتلعثم الحروف بطبيعة الحال، أعصر دماغي محاولة التذكر أين سمعتهما. اعتقد أني قرأتهما في كتاب علم النفس للثانوية العامة. احاول أن اتذكر تفسير ذلك ولكني اتراجع بعد أن افطن إلى غباء كتب المدرسة التي لا تفسر لك كل شيء. أجلس في المحاضرة الثقافية، فلا استوعب الكثير مما يقوله المحاضر . اعمل يدي اليمنى في الصفحة المسطرة للمذكرة الصغيرة التي احملها بين يدي. اغلق كل سطرين من جهة اليمين ثم اغلقهما من اليسار. ألون المستطيل الناتج بلون أزرق غامق. ارسم مربعات ينقصها ضلع ثم اغلقها بالضلع الناقص واملأها بالحبر. ربما هناك أشياء لا تحتاج إلي التفسير .. هي تحدث لأنها فقط تريد أن تحدث. ذ

قبل ذلك بساعتين كنت أجلس مع مديري ليلومني على أخذي المواضيع بحساسية مفرطة، وأن مشادة تافهة مع زميل وضيع بقسم أقل أهمية لا يستدعي عصبية متشنجة تؤدي في النهاية إلى بكاء غير مبرر أمام الجميع. فأبدو فجأة بدلاً من سيدة قوية تتقلد منصب إداري في شركة صناعية كبرى إلى فتاة هشة تعالج أمورها ببكاء طفولي فلا تثبت لها حجة وينهي من حولها الموضوع لأنها "صعبت عليهم". لأنه هكذا هو البكاء، يختار أن يأتي بسبب أشياء تافهة فيجعلني أبدو أكثر سخفاً. ينهي المديرحديثه بأن "يجب أن تتمالكي أعصابك ودموعك" .. كأني لا أعلم ذلك، من المؤكد أني لا اهوى البكاء أمام حفنة من الغرباء، صدقني لو استطعت تمالك دموعي لفعلت. ذ

"إنها الهرمونات يا عزيزي .. لعنة النساء أو حجتهم أحياناً" .. أود أن أقول له ذلك ولكني أخجل. أو ربما لأني راجعت الامر وأدركت أني لا امر بأي تغيرات هرمونية في الفترة الحالية ولكنها حجة أحب أن اصدقها. اختار بعد ذلك أن افسر الأمر بأني متوترة من شئ اخر وأنه بالضرورة انعكس على المشادة التافهة .. هي أشياء تحدث فقط لأنها أرادت. ذ

هناك منظر مرعب في شوارع القاهرة المختلفة. سيدة مجذوبة تمشي في الرصيف الوسط بين الشارعين، تعاكس قائدي السيارات ِمن حولها وتقرر فجأة أن تخلع ملابسها في الشارع لتقف بقميصها الداخلي، يلتف حولها الصبية يتفرجون ثم تقرر الرحيل في لحظة مفاجئة. رجل آخر تغطيه القاذورات والأوساخ يمشي في الشارع يجمع أشياء وهمية في شوال قذر، يلقي بنفسه على السيارات ليخيف السائقين ثم يقوم ضاحكاً وهو يترنح، يصرخ في عسكري المرور ثم يقف بدلاً منه لينظم المرور! أكاد اجزم أن في كل منطقة في مصر حالة مشابهة والأغرب أن سكان المنطقة يعتادون المنظر فلا يعودوا يلتـفتون كثيراً، كما أنهم ينشرون قصص مختلفة عن سبب جنوح هؤلاء المجاذيب: فيقولون أن السيدة التي تخلع ملابسها كانت غنية جداً، تزوجت من رجل واطي نصب عليها وأخذ كل أموالها، فجنت وخرجت تهيم في الشوارع على وجهها. أما الرجل الآخر في الحي السابع بمدينة نصر يقولون أنه كان شاب رائع أحب فتاة رفض أهلها زواجهما ففقد عقله فداء لها! ذ
اشعر دائماً ان هذه قد تكون نهايتي. كلما قال لي أحداً أني أبدو أكثر حكمة وعقلاً من سني أفزع! من المؤكد أن من استخدم عقله بدري قد ينفذ منه بدري . سأمشي يوماً ما في الشوارع أبكي عقلي المفقود، فقصص هؤلاء المجانين تبدو غاية في العادية وواردة الحدوث! ذ
ولكني في بعض المواقف اتمنى أن يخونني عقلي فأصاب بانهيار عصبي مثلاً .. هرباً من الموقف ليس إلا. أو ربما تخونني نفسي لأسقط مغشياً على وينتهي الحدث على ذلك. إلا إن أياً من ذلك لا يحدث. رغم كل المسلسلات العربية التي تثبت لنا أنه امر سهل الحدوث إلا أني أظل واقفة، لا انهار ولا يغشي على ... فلا أملك إلا أن ابكي. ذ
البكاء هو الشي الوحيد الذي لا يكف إذا بدأته .. كلما بكيت أكثر كلما أصابت عيناي حساسية ملهبة تجعلني أرغب في البكاء أكثر ... فاتفنن في تذكر كل ما يضايقني وأكومه فوق بعضه البعض لأبكي أكثر. ذ

الاغماء ليس حلاً عموماً، ربما بعض القوى الخارقة قد تكون أفضل .. اتذكر مسلسل أجنبي كنت أراه وأنا صغيرة عن فتاة مراهقة لديها قوي خارقة في تجميد المشاهد حولها حتى تغير شيئاً أو تفكر قليلاً .. ولكن النظرية تقول أن الانسان يميل إلى غلق الأشياء المفتوحة، لذلك في النهاية يجب أي يكتمل المشهد. ذ

في الندوة اقرر أني لا أريد أن اصاب بالجنون، لذلك ساستشير طبيبة نفسية. قالت لي صديقة عن معالجة نفسية تذهب إليها، امسك التليفون لأبحث عن الرقم بين الأرقام المسجلة .. سأحجز بمجرد ان أخرج من الندوة .. هذا شيء عادي أنا لست مجنونة وصديقتي قالت أن الطبيبة متخصصة في علم النفس، لا توصف أدوية لا تعالج الأمراض العصبية. وهذا يؤكد اني لست مجنونة .. أنا فقط أريد ألا أبكي أمام أحد .. ومؤكد ستجد لي حلاً. ذ

فقط لأن الانسان يميل إلى ملأ المساحات الفارغة فأني في المساء أدخل لأنام بعد أن أحشو نفسي بأشياء فارغة يذيعها التلفزيون، لا أنام إلا بعد أن يهدني التعب .. ولأنه يميل إلى غلق الأشياء المفتوحة فاني أدثر نفسي جيداً وأحكم الأغطية حولي وأشدها أيضاً لأغطي رأسي .. ولأن الانسان يميل إلى التعلق بالأمل في غد أفضل، فإني استيقظ في صباح اليوم التالي "عادي خالص" .ذ

Tuesday, November 18, 2008

أضغـــاث أحلام

جلست وأخذت تحكي "جاءتـني في المنام، أول مرة تأتيني في المنام. كانت جالسة هكذا في مكان واسع به تجمع من البشر فيه الكراسي مصفوفة جانب بعضها البعض" ذ

أكان صوان عزاء؟" تسألها الأخرى "
"
لا أعلم بالظبط، ولكن لا اعتقد. كانوا فرحين على ما اذكر! كانت تجلس بجانب زوجها وجانبهما شخص آخر لا أذكره، ربما إحدى بناتها أو ربما إحدى أخواتها ... لا اذكر بالتفصيل، لكنه شخص صافحته هو الآخر"ذ
`
تقولين كانت تضحك؟" تستفسر باصرار "
`
"
ممم، اعتقد ... كانت مبتسمة، وجميلة جميلة ... سمينة كما كانت" وتوسع هكذا بين ساعديها وجذعها دليلاً على الامتلاء. "ووجها المدور عليه المساحيق فيبدو خداها كثمرتي تفاح متوسطتين" وتكور كفاها أمام وجهها دليلاً على الانتفاخ. "كانت حلوة كما كانت دائماً، بشعرها القصير ملون بالحنة الحمراء مصفف إلى أعلى" وتصنع حركة نصف دائرية بكفها إلى الأعلى وتقول "هكذا". ذ
`
تسألها "تقولين صافحتيها؟" ذ
`
"
نعم، نعم، صافحتها" وتعقد بين حاجبيها محاولة التذكر "بل أخذتني بين ذراعيها تضمني كأني أوحشتها"ذ
`
ترد عليها "من المؤكد أوحشتيها. هل ضمتك بقوة؟" ذ
`
"
نعم، بقوة! أتعرفين قالت لي كثيراً أنها تفتقدني وتقتقدنا كلنا، واثـنت على شكلي وملابسي. أخبرتني أني أبدو جميلة كالقمر" ذ
`
"قالت هذا .. وماذا أيضاً؟"
`
"
ممم .. لاشيء .. لم تقل أكثر من ذلك! لكني أكدت عليها أنها أيضاً تبدو جميلة كما عهدناها دائماً" ثم تضيف هامسة "أأمل أن يكون هذا هو حالها"ذ
``

تتمتم الأخرى "أكيد .. يقولون لقاء الأموات حقيقة" ذ
`
الأولى "آمين" ذ

`

Thursday, September 18, 2008

كلٌ معـني بشئون غيره

ثلاثون يوماً، تذهب بعدها في موعدها الدوري إلى مركز التجميل .. تدخل وتسألها العاملة على الباب: ذ
حد معين؟ -
تصمت لبرهة تراجع فيها أن اليوم هو الأربعاء .. ثم تجيب العاملة في ثقة وابتسامة خبث
سهى، لو موجود يعني؟ -
ترد العاملة بلا مبالاة: ذ
موجودة ..ذ -
اللعنة، تردد محدثة نفسها وهي تمني نفسها بحل آخر:ذ
هي مش أجازة انهاردة ؟ -
يأتي الرد بلا مبالاة زائدة: ذ
غيرت أجازتها -
في نفسها تلعن حظها العثر، ثم تقول: ذ
خلاص اندهي لها. وتعقب دون أن تنتبه لها العاملة: أصلي معاها من زمان. ذ -
`
تتلقفها سهي بعد ذلك وتجلسها على الكرسي المخصص حيث تبدأ العمل على وجها .. تلف طرف الخيط علي ابهام وسبابة يدها اليمنى جاعلة بينهما انفراجة وطرف الخيط الآخر على ابهام وسبابة يدها اليسرى وبينهما انفراجة أخرى. تضع الخيط من منتصفه المشدود بين شفتيها ثم يعمل رأسها مع أصابعها في حركات سريعة مجيئاً وإياباً. ذ
`
تدنو سهى منها، فيدو رأسها كبيراً جداً وملامحها مرعبة. تغمض عيناها هاربة منها ومن الألم الذي تحدثه بوجها. تترقب اللحظة التي ستبدأ فيها سهى الحديث، وتشيح بنظرها عنها لتبعد البداية أقصي ما يكون. تفطن إلى يديها التي تضعهما باسترخاء على بطنها اعتياداً أثناء الجلوس ، وغالباً ما يحث هذا سهى على أن ترمي بسؤالها. تزيح يداها بسرعة محاولة ألا تلفت نظر الأخرى، لكنها تلحظها فتقترب أكثر من وجها باتسامة باهتة. تتكلم والخيط بين شفتيها، فيخرج صوتها خليط بين عدم الوضوح وشيئاً من الغيظ. ذ
ذ
ها مفيش حاجة في السكة؟ -
لا لسة ... ذ -
ليه كده، هو انت بقالك قد إيه متجوزة ؟ -
تكذب لتخفض من عمر زواجها ثلاثة أعوام وترد عليها: ذ
سنتين. ذ -
ممم ، أنا قلتلك قبل كده، أدي أخرة اللي بيأجل في الأول. ذ -
ذ
يمتقع وجها وهي تفكر بحسرة أن يكون هذا فعلاً انتقام ربها! ذ
ولكنها تستدرك ... لأن سهي لا تعلم. هي لا تعلم أن الله محب وأنه لن ينتقم، وأنها لم تخطأ، وإنها في الأصل لا تعاني كما يعتقد الأخرون، وأنها في الغالب لا تشعر هذا الألم الذي تتخيله الأخرى، وأن رغبتها فيما تسأل عنه ليست هكذا مُلحة، كل ما في الأمر أنها لا تريد الآن ... ذ
ستنطق الآن، ستثور وتغضب، وستخبر سهى ألا تتدخل فيما لا يعنيها، وأنها تراها مقززة جداً بهذه الشفقة المفتعلة التي تبدو في نظراتها، ستصرخ فيها أنها بالكاد تعرفها فهي لا تراها أكثر من عشر دقائق مرة كل شهر. ذ
هكذا تخيلت، كأنها قالت لسهى كل ما تريده، ولكنها لم تقل شئ. ذ
`
بعد فترة صمت تنتهي سهى من عملها وتسألها: ذ

هو أنت اسمك ريهام ولا رشا؟ -
رانيا .. اسمي رانيا -
أيوة أيوة، صح -
تخرج من تحت يديها وهي تدس في كفها بعضاً من المال .. تتحرك مبتعدة وفي قلبها غصة شعورها بأمومتها المعطوبة وغيظها من بني البشر!ذ

Thursday, July 10, 2008

لم تعد عمتي نعمت

عمتي نعمت ... ليست عمتي، هي عمة أمي. جرت العادة أن ندعوها نحن الجيل الثالث إليها – عمتو نعمت – وظلت أمي وظل خالي يدعونها "عمتي" وليس "عمتو" كما ندعو عماتي لأبي مثلاً ... وبدا لي التغيير البسيط في تبديل الواو إلى ياء مدلول لشئ ما اختصت به عمتي نعمت.ذ

نعمت وليست نعمة، تنتهي بتاء مفتوحة! قالت أمي أن الاسم قديم وله مدلولات أرستقراطية، وأنهم أسموها خلفاً لنعمت هانم ابنة عم جدي لأمي والتي كان لها شأن عظيم بين الهوانم. تقول أمي هذا وهي تقرأ لنا من الجريدة في أواخر الثمانينيات نعي نعمت هانم الأولى، عاشت طويلاً الهانم كما يبدو ولكننا لم نرها أبداً خلال هذا العمر الطويل. ذ

ظلت زيارة عمتو نعمت لنا كأطفال حدث جلل، نتأنق كثيراً استعداداً للزيارة، ونهتم كثيراً بماذا سنرتدي وكيف سنبدو وماذا سنقول، وتؤكد علينا أمنا حسن التصرف والسلوك. كنا نسكن وقتها بالهرم وأمي لم تكن تعرف قيادة السيارات. سكنت عمتو نعمت في المعادي بجانب محل الحلويات الشهير، وتراءى لي وقتها أن الطريق من الهرم إلى المعادي سفر عظيم. حتى بعد أن مرت السنين وانتقلنا للسكن في مدينة نصر وكانت أمي قد تعلمت قيادة السيارات، لكني ظللت أستشعر أنه مشوار طويل، صعب، وقد يلزمه بعض الضياع قبل أن نصل. ذ

كان بيتها شكل أخر من البيوت ... نصعد سلالم الأدوار الخمس، نصل للباب الذي يبدو مختلفاً عن أبواب الشقق التي مررنا بها أثناء الصعود، فتفتح "صدّيقة" لنا الباب، وكأنها فتحت لنا أسرار الكون، ولصدّيقة قصة أخرى. ذ

في منزل عمتو نعمت جانب كبير مخصص للزرع، شرفة تم تقفيلها لتتسع لأنواع وأشكال من قصاري الزرع المصفوفة والمعلقة. كنا دائماً نشتري لها الورود في الطريق لأنها تحبها كما تؤكد أمي. لا تأتي نعمت لتجلس معنا إلا بعد أن تفتح الورود وتنزع عنها الأشواك بمقص خاص ثم ترصها في آنية تضعها بتمهل في مكان ترتضيه. لا تنسى أن تقول لنا وهى تنسقه أنها تضع ملعقة سكر في مياه آنية الزهر فتعيش الزهور عدة أيام. يتفتح عقلي على إهتمامات جديدة ممكنة لبني البشر. ذ

شعرها أبيض لا تصبغه أبداً، تقصه قصيراً فيبدو كهالة بيضاء منسقة حول وجهها. كنت طيبة ومبتسمة وهزيلة جداً جداً. كنت أعتقد وقتها أن الجدات يجب أن يكن ممتلئات، ولكن عمتو نعمت هدمت اعتقادي. اعطيتها عذراً بعد ذلك حين أخبرتني جدتي أن عمتو نعمت كانت ممتلئة فيما قبل، ولكنها هزلت بعد أن مات ابنها الشاب وهو في العشرينات من عمره، "عِدمت صحتها" كما علقت جدتي. ذ

أسّلم عليها فتنحني تقبلني، كان كفي يلامس كفها وذراعيها فأشعر أن لجلدها ملمس غريب، جلد لين عليه زغب، كفرو لعب أطفال. أقول ذلك لأمي في وقت لاحق فلا تفهم ما أعني بالظبط، حين كبرت قليلاُ عرفت أن الكبار تتعب أجسادهم فلا تظل مشدودة، تترهل جلودهم وترتخي أعصابهم، أدركت ذلك حين لاحظت جلد أمي وقد بدأ في الارتخاء والبقع البنية تنتشر عليه. ذ

تستقبلنا في صالونها الأنيق، الجدران جميعها مغطاة بصور الأقارب ولوحات المعارف الذين يهـون الرسم أو يحترفونه. نقف نطالع إحدي الصور ونسألها : "مين دي يا عمتو؟" ترد دي صافي بنت منيرة بنت خالى بس وهي صغيرة، دلوقتي بقت عروسة" وتحت صورة أخرى "مين رسم اللوحة دي يا عمتو؟" ترد "دي جدكم صلاح الله يرحمه رسمها واحنا في اسكندرية" تقول ذلك وهي تشير لنا على التوقيع في أسفل اللوحة. ذ

بعد بضع سنين أصبحت تستقبلنا في غرفة المعيشة بدلا من صالونها الأنيق، لم تعد حركتها سهلة كما كانت. تجلس في كرسي معين وحقيبة يدها الكبيرة على الأرض جانبها، تضع فيها كل احتياجتها فلا تقوم كثيراً: الأدوية ونظارتها وعلبة سجائرها كيلوبترا. حين دخلنا عليها في مجلسها المستحدث قالت مخاطبة أمي : "إيه ده، فيفي اتحجبت .. بس فيفي متحجبة عشان الشياكة" تنطق شياكة بفتح الشين. يقول زوجها معلقاً بنبرة محايدة "الناس كلها اتحجبت".ذ
في غرفة المعيشة أرى الجدران مغطاة بالكتب، من أعلى لأسفل رفوف خشبية تحمل مجلدات وأوراق مختلفة الأشكال والألوان. ذ

كان الحديث لا يتوقف أبداً، لا يكف زوجها الطبيب الشهير عن الحوار والحديث معنا نحن الصغار. يسألنا ويسألنا وتنبهنا أمنا بين أسئلته "علوا صوتكم عشان انكل يعرف يسمع" ، فيوجه حديثه إليها "بحب أشوف الشباب الصغير بيفكر ازاي". لا يكف هو وعمتو عن إدهاشنا بأن رغم تجاوزهما الخامسة والستين يتابعان كل شيء بدقة، فيخبرنا عن اعجباهما الشديد بأغنية "عدى الليل" لإيهاب توفيق. ذ
في زيارة أخرى تعبر أمي عن حزنها الشديد لوفاة الشيخ الشعراوي، فيعلق زوج عمتي أنه لم يتابعه كثيراً لأن صوته كان عالياً وطريقته في الحديث سوقية لذلك لم يناسبه. ذ

كلما زرنا عمتو نعمت، كانت هناك "صدّيقة"، وندعوها جميعاً "ماما صديقة". "صديقة" تخدم عمتو نعمت ولكنها ليست أبداً خادمتها . "صديقة" أيضاً بدت منفردة فهي رغم بساطة أصولها تتحدث عربية غريبة تخالطها كلمات إيطالية صحيحة تعلمتها من سيدة إيطالية كانت تعمل لديها قديماً. فتقول لنا أنها قبل مجيئنا وضعت زجاجات المياه الغازية في الثلاجة "بيانو بيانو" حيث أن ميمي كانت نائمة. ولأن "صدّيقة"ذ تتحدث بسرعة ولا تنتظر لتسمع أي رد لما تقوله، كان علينا أن نستنتج من السياق أن بيانو بيانو ربما تعني أنها وضعتها بهدوء وأن ميمي ربما هي عمتو نعمت! ذ

ذ"صديقة" أرملة لرجل لم أره أبداً ... تحكي لنا أمي أنها تزوجت زوج أختها المتوفاه لتربي أولادهما وبعد ذلك مات الرجل وبقت معها قرطة العيال. تعمل "صديقة" وتربي الأولاد جميعهم، فتخدم لدى جدي ثم تنتقل لعمتو نعمت بعد أن يتوفى جدي. "صديقة" يناوشها "مغربي"، سائق وخادم زوج عمتو نعمت، يعمل لديهم منذ كان صبياً، كبر في منزلهم فأصبح شاباً ثم رجلاً حتى تجاوز الأربيعين. رأيت "مغربي" مناسب جداً لأن يكون زوجاً "لصديقة"، ولكن عدم زواجهما ظل لغز لم استطع حله. ذ

مرت السنوات، وخفت الزيارات، فلم أعد أرى أياً منهم، كبرنا ولم نعد نشارك العائلة واجباتها الأسرية. في عام
2002 تكلمني أختى الصغرى في العمل وتخبرني "عمتو نعمت ماتت، احنا رايحين دلوقتي" أصمت مذهولة وكأني تذكرت فجأة أن عمتو نعمت كانت مازالت حية. "أجي معاكم؟" ترد أختي "يا ريت، أصل ماما زعلانة قوي" ألملم أغراضي وأهرول من المكتب وأنا أخبر زملائي "لو حد سأل، أنا عندي حالة وفاة". ذ

حين ذهبنا يوم الوفاة إلى منزلها في المعادي أدركت أن الطريق ليس طويلاً والوصول إلى منزلها ليس صعباً كما اعتقدت. أجلس هناك على كرسي بغرفة المعيشة بينما توجهت أمي وأخريات إلى غرفة مسجى بها الجسد ليقمن باجراءات التغسيل. أجول بنظري فأطالع الكتب التي غطت الجدران، وأري جانباً بأكمله تحتله أجزاء الموسوعة البريطانية، لم أكن أعلم أن الموسوعة البريطانية قد يملكها أشخاص عاديين في منازلهم العادية، تماماً كما أخبرني هذا المنزل من قبل أن الجدران يمكنها أن تحمل أكثر بكثير من ألوان وأنواع الدهانات، تحمل ذكريات ومعلومات ووجهات نظر. و أن للبشر اهتمامات أخرى غير تلك التي اعتدها، والأهم أن لهم أراء مغايرة يعبرون عنها بشجاعة. ذ

ينادون لزوج عمتي بعد أن انتهين. يتحدثون معه خارج الغرفة فتقول له زوجة ابنه "ادخل سلم عيلها ياجدو، خليك شجاع وانت بتودعها" .. يالله لماذا تذكره أنه سيودعها. يدخل الغرفة ويرى جسدها النحيل يرقد في وداعة، يقبلها بهدوء على جبينها ثم يلتفت فأرى في عينيه نظرة مختلفة كثيراً عما اعتدتها منه. يدخل غرفته ويترك الأخرين يأخذونها إلى المدافن، صحته لا تسمح له. تبقى السيدات في المنزل وأنا معهن، يأتينا بعد قليل صوت الزوج من غرفته يبكي كطفل صغير. ذ

لحق بها زوجها الطبيب بعد شهر ونصف من وفاتها الذي لم يتحمله كما يبدو. "حتى مَـغربي بطل يشقر على انكل، سرق فلوس من الدولاب ومحدش شافوا بعدها .... كأن كلهم ماتوا" تقول أمي. تقرربعد ذلك أن تحكي لنا باقتضاب عن ابنهم الذي مات في العشرينات من العمر كان شاباً رائعاً ،طبيباً مثل أبيه، تنهي الحديث فجأة بأن الجرائد كتبت أنه انتحر. ذ

منذ يومين، أخذت أمي لقضاء مشوار هام ، الآن أقود أنا وأمي تجلس جانبي. من كورنيش المعادي ندخل يميناً، فتقول أمي "يــــاه ده جنب بيت عمتي نعمت خالص". انظر لها بذهول وفي عقلي أتمنى ألا أجد البيت هكذا سهلاً، أسأل أمي "هو مين أخذ الكتب اللي كانت عندهم "ترد أمي "مش عارفة، محدش ساكن في البيت دلوقت" ذ
يبدو منزل عمتو نعمت عادياً جداً من الأسفل، فالمنزل في منطقة واضحة المعالم في المعادي القديمة جانب محل لابوار الشهير الذي إن سألت أي ماراً في المعادي لأخبرك بسهولة أين يقع. ذ
~~``ذذ
\ذذ

Thursday, February 28, 2008

ألِـيس في المنطقة الصناعية


تصل إلى عملها الجديد صباحاً وهي تتقافز من أثر شحنة النشاط والأمل التي تنبعث تلقائيا من حقائق بديهية مثل البدايات الجديدة والتحديات الصعبة والصباحات المنيرة وإلى آخر ذلك من العوامل الوردية... ذ
تجلس بعد بضعة أيام في المصنع تلبية لنداء إجتماع يجب عليها متابعته باعتبارها مديرة هذه العلامة التجارية في قسم التسويق والذي تسلم العلوم الحديثة بضرورة كونه - القسم - المحرك الأساسي لمستقبل الشركات وبالتالي المنتجات والأهم من ذلك العلامات التجارية.ذ
يجلس حفنة من المهندسين الأفاضل المؤمنين تماماً بعدم تلقي غيرهم لتعليم جامعي، فكل من دونهم ببساطة "مكملش تعليمه" وخاصة واحدة مثلها أختارت دراسة جامعية أدبية ألحقتها فيما بعد بدبلومة في إدارة الأعمال على سبيل المعالجة التي لم تشفع لها كثيراً عند الباشمهندسين. ذ
بحماس يندفع أحدهم موجهاً الكلام لها ولجاهل أخر من قسم التسويق "يا أساتذة ... الفتاحة يعني هاتاخد كهرباء منين ؟؟!! يعني يا إما الشكل هيفضل كده عشان الترمومتر الديجيتال اللي يبقيس قوة الفتح يسحب كهرياء من البطارية الي وراه، يا إما نعمل عمود في ظهر الجهاز يسحب الكهرباء من تحت لمكان الترمومتر "ذ
في ذهول تهز رأسها موافقة .. وتفكر "العيال دي ضاربه بانجو باين" *ذ
بعد عدة أسابيع، يجتمعون كلهم عند أحد المديرين، أخذ يشرح لهم – أفراد القسم - التبعات الاقتصادية التي لحقت بشركتهم من أثر ارتفاع أسعار الحديد في العالم كله "لما أسعار الحديد ارتفعت، سعر الصــاج المستخدم في صناعتنا بالتالي ارتفع .. وعليه المنتجات كلها هيزيد سعرها وتوصل في أخر السنة إلى 15% زيادة ..."ذ
يهمهم بعضهم ويستفسر آخرون عن تفاصيل
يوضح "لما المورد الرئيسي للحديد اللي في ألاسكا غرق، والتاني اللي في الصين عنده عجز في الإمداد ... حصلت المشكلة .. ولأن حركة البناء مزدهرة حالياً الطلب زاد أكتر وبالتالي أثر ده علينا في مصر وعلى كل المنافسين"ذ
تفكر "دي نظرية تأثير الفراشة** .. تأثير الفراشة ... قريتها قبل كده ... الفراشة رفرفت بجناحنها هناك
في ألاسكا، قام المورد غرق، بعدين أسعار الحديد ارتفعت، ووراها أسعار الصاج ، وكده فتاحات المعلبات اللي احنا بننتجها هتغلى" ذ
بدا لها الأمر غير منطقي فتسرح وراءه .. "هو في فراشات كفاية في ألاسكا عشان فتاحات المعلبات في مصر تغلى؟"ذ
يكمل المدير "عايزنكم تفكروا في أكثر من سيناريو لتطبيق ارتفاع الأسعار، خلوا بالكم لازم تستعملوا نظريات مصفوفات التسعير مفيش تسعير من غير تطبيق المصفوفة"ذ
تعقد حاجبيها في محاولة للتركيز... "يعني تفرق إيه لوللو من أبوللو .. ماهو ده اللي بيعقد العيال"*** ذ
ولأن ملحوظتها العقلية جاءت هذه المرة عالية نوعاً ما، فخضعت تلقائياً لنظرية تأثير الفراشة. فما كان من ملحوظتها إلا أن سمعها أحد الزملاء فانفجر ضاحكاً وتبعه الأخرون .. وعليه استحال وجه المدير إلى الأحمر القاني وتبع ذلك صراخ متتالي لا متناهي ومعه مصفوفة من التوبيخ
ولمدة أيام، ظل وجه المدير يطالعها يومياً في جهامة وبرودة لوح من الصاج كالذي ارتفع سعره مؤخراً !!ذ
ذ ________________________________
ذ* جملة على لسان عادل أمام من فيلم السفارة في العمارة موجهة إلى أحد أفراد الأسرة اليسارية يصف له موقفاً ما بالديـماجوجية

ذ** نظرية تأثير الفراشة: ظاهرة تقول بأن الحركة البسيطة لجناح فراشة يمكنها أن تحدث تغيراً في الجو وتؤدي في النهاية إلى حدوث إعصار (أو منع حدوثه) في مكان أخر. ويطلق المسمى قياساً على الأمور الصغيرة التي قد تحدث تأثيرات كبيرة على أشياء أخرى

ذ*** جملة على لسان علاء ولي الدين من فيلم الناظر يعلق فيها على تعقيد التعليم بالنسبة للأطفال تدقيقاُ على اسم مدرسة أبوللو الأدبية